الاهتمام بالآخرين حاجة نفسية إنسانية تمنح الإنسان الشعور بالأمان والثقة وتعمق روابطه مع المحيط، في حين أن غياب الاهتمام يقود إلى برودة المشاعر والجمود واللامبالاة، بل إلى أشكال متنوعة من الأمراض النفسية والجنوح. فما هو جوهر الاهتمام؟ عندما يهتم إنسان ما بإنسان آخر أو بحيوان أو بشيء ما فإنه يركز انتباهه على هذا الشيء. ولكن هذا التركيز لا يشير بعد إلى أن هذا الاهتمام ينبع من نوايا طيبة أو سيئة. ولكن عموماً يستخدم مصطلح الاهتمام بالمعنى الإيجابي. فالاهتمام بالآخرين يولد لديهم مشاعر طيبة ومريحة وتداعيات إيجابية. والاهتمام يعني الحب. فالشخص المحبوب هو الشخص الذي يحظى باهتمام من يحب، علماً أن الحب هو الشكل المكثف من الاهتمام. كما يعني في الوقت نفسه العطف والحنان. والأطفال بشكل خاص يحتاجون إلى مثل هذا النوع من العطف والحنان الذي يشتمل على اللمسات الجسدية. وهم عندما يحصلون على «وجبتهم اليومية» من اللمسات والكلمات الطيبة ينمون انفعالياً بشكل أفضل. كما أن الكبار يحتاجون إلى الاهتمام، فالحنان الذي يحصل عليه الكبار من محبيهم يجعلهم مشحونين بالطاقة أكثر ويحصنهم ضد مشاعر القنوط والحزن.

ويمكن ملاحظة عواقب نقص الاهتمام بشكل واضح جداً في الأطفال. وتعرف هذه الظاهرة في علم النفس تحت مصطلح الحرمان. فالأطفال الذين يعانون من الحرمان من الاهتمام والدفء الانفعالي تظهر عليهم أعراض الانسحاب والعزلة والتباطؤ الذهني ويموت بشكل أبكر من الأطفال الذين يحصلون على الاهتمام العاطفي والرعاية بدرجة مقبولة. وكثير من الأمراض والاضطرابات النفسية ترجع أسبابها إلى فقدان الاهتمام. والذنب لا يكمن في المحيط نفسه، ففي أحيان كثيرة يمكن أن يكون الشخص نفسه مسؤولاً عن ذلك من خلال عجزهم عن التعبير عن مشاعرهم. ويرى علماء النفس أن الخط الفاصل بين جنوح الأحداث ونقص الاهتمام الأسري ليس بالكبير. كما أنه خلف السلوك العدواني غالباً ما تكمن الرغبة في الاهتمام. ولفرط الاهتمام كذلك مضار كثيرة. فمن الحب ما يقتل، وهو مثل عربي لا يعنى به المعنى الدارج فقط، وإنما يعني كذلك أن فرط الحب يجعل الإنسان مخنوقاً من كثرة الاعتناء والرعاية المقدمة له إلى درجة لا يعود فيها قادرا على التصرف الحر والعفوي. فالأم التي تفرط في الاهتمام بطفلها ولا تسمح له بأي مجال من الحركة والحرية بحجة حمايته من الأخطار المتنوعة التي تتوهمها أو تتوقعها، تكون بتصرفها هذا قد بدأت تزرع بذور الخوف وعدم الثقة في طفلها، وتمهد لجعله عاجزاً في المستقبل عن التصرف المستقل واتخاذ القرار.