ظلت بلدة ليسبورن القريبة من مدينة بلفسات بشمال إيرلندا بمنأى عن الرعب، الذي خيم على البلاد حتى صباح يوم السبت الواقع فيه 22 أبريل 1978، حين فتح المصور الفوتوغرافي في قسم الشرطة ميللر ماك أليستر باب منزله الخلفي، ليتلقى ثلاث رصاصات قاتلة على مرأى من ابنه البالغ سبع سنوات.
ويدأب الصحفي البريطاني إيان كوباين في عمله «تشريح عملية قتل» من إنقاذه من هاوية التاريخ، مسطراً سنوات حياته القصيرة، مقابلاً إياها مع الحياة المستمرة الأكثر تعقيداً لقاتله هاري موراي.
وينجح كوباين من خلال إعادة رسم ملامح جريمة قتل واحدة بالتخطيط لها، وتنفيذها الوحشي وتداعياتها الممتدة والغوص في المقابلات وغربلة الأدلة غير الموثوقة دوماً في التقارير الرسمية، من أن يسلّط شعاعاً جديداً من الضوء على ثقافة العنف الإرهابي، وحالة القمع التي حكمت إيرلندا الشمالية على امتداد 30 عاماً من النزاعات.
كما ينجح كوباين الصحافي الاستقصائي المتمرّس الحائز على جوائز في رسم ملامح الإطار الاجتماعي والتاريخي، التي طبعت فترة المشاكل أو الصراع القومي لإيرلندا الشمالية في أواخر القرن العشرين. وقد اعتمد أسلوباً سردياً سريع الوتيرة رغم النبرة الهادئة والتفاصيل الوصفية لأحداث العنف.
إن كان هناك ما يأسر قارئ «تشريح عملية قتل»، فهي تلك البساطة المبتذلة، التي امتدت وصولاً إلى تنفيذ عملية القتل وما بعدها. ويصف كوباين كيف قامت آن المشاركة في الجريمة، وبكل هدوء في صبيحة ذلك اليوم بنقل المسدس من بلفاست لليسبورن على متن حافلة وذهابها، بعد أن وصلت مبكراً للموعد لشراء هدية لعيد ميلاد أخيها.
وتبرز أهمية التصدعات الأخلاقية العميقة، وتعود إلى الواجهة مع سرد حوادث كتلك في زمن بدأت فيه ذكريات زمن المشاكل تهوي في زوايا التاريخ والنسيان.
