قافية في ذكرى ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلّم

هَـــلَّ الربيـــعُ بطلعــــةِ المختارِ

فتعطّـــر التاريــــخُ بالأنــــوارِ

وافترّ ثغرُ الكونِ عــن بدر الدُّجى

وتزاحــــم المَلَــــوانِ بالنّــــوارِ

واهتزّت الغبراءُ بعـــد يَباســــها

وتناثـرت بالطيــبِ والأزهــــارِ

وترنّــم الشادي بذِكْـــر محمــــدٍ

وأضـــاء ليلُ الناس بالأقمــــارِ

وتباركت أرضُ الحجـــــازِ بنوره

وتباشــــرت بالسعد والأقـــدارِ

واهتــــزّ إيوانُ الملــــوكِ بفارسٍ

وتضعضعتْ مــــن هيبة الأخبارِ

وأضاء من بُصرى جليلُ قصورهـا

بالشام مِــنْ أرض السناءِ الساري

وتناقــــــل الرهبانُ أخبـــاراً له

تُروى لدى النُّســــــاكِ والأحبارِ

حملتْ به الطُّهرُ المصــــــونُ أمينةٌ

مـــــن آل زهــــرةَ زينةِ الأخيارِ

حملتْهُ آمنـــــةُ الطهـــــورُ لتسعةٍ

مُـــــــزدانةٍ باللطف والإكبـــارِ

وأتتْ به بعـــد المخـــاضِ مُسلَّماً

مِــــنْ مَسّ شيطانٍ ومـــن أكدارِ

وضعته مســــــروراً تضوّعَ طيبُه

مِسكاً، وسجّـــــاداً لوجه الباري

قد جــــاء للدنيا يتيماً طاهــــــراً

تحنــــو عليه كريمـــــةُ الأطهارِ

وتضمّه الظئــــــرُ الرؤومُ حليمةٌ

مِـــــنْ آل سَعْـــدٍ، مِنْ حُماة الدارِ

فاخضرّ مــــن تلك البلادِ ربوعُها

وترنّمتْ بالغيــث والأمطـــــارِ

حتى الغُنَيمةُ قد تفجّــــر ضَرْعُها

بالدَّرّ بعـــــد اليُبْس والإقفــــارِ

سنتانِ في أرض الرَّضــاع وبعدها

سيعودُ للنهر الحنون الجــــــاري

في حِضــــن آمنةَ الحَصــانِ مِهادُه

تغـــذوه من نُبــــلٍ ومــن أنوارِ

وتغيب شمسُ الأمّ بعـد سطوعها

في أرضِ خالٍ مـــن بني النجّـــارِ

ويفيضُ دمــعُ العين، دمــعُ محمدٍ

تفديــــه منّا الروحُ بالأعمـــــارِ

فأحاطـه بالحب جَــــدٌّ ماجــــدٌ

شيـــخُ الرفادةِ بل عميــــدُ الدارِ

قـــد كان يُدنيــــه ويُكبـــر شأنه

ويقـــول قولاً ليس بالإســــرارِ

إنّ ابني هذا سيّــــدٌ من سيّـــــدٍ

سيكون ذا شــــأنٍ لدى القهـــارِ

ومضى الجليلُ الشيخُ نحـــو نهايةٍ

محتـــــومةٍ لمُقـــــدّر الأقــــدارِ

فتكفّــــل العـــمُّ الرؤوفُ بأحمدٍ

وحماه مــــن بؤسٍ ومـــــن إقتارِ

حتى غــــدا كالبـــدر يمشي آمناً

بين الحُجــــون وكعبة الأبــــرارِ

كالنجـــــم يلمع في السماء مُباركاً

يدعــــونه المأمونَ في الأخبــــارِ

وتواترت أخلاقــــــه بين الورى

وتفاخـــــروا بالسرّ والإجـــهارِ

سمعتْ به الكنزُ المَصونُ خديجـــةٌ

ذاتُ الوقــــار سليلةُ الأحــــرارِ

مَــــنْ كان يخطبها خُلاصةُ قومِها

مــــن ماجــدٍ أو فارسٍ مِغـــوارِ

لكنها رضيت بمَجــــد المُصطفى

وتفرّست نور الكريــــم الساري

في وجهه الميمـــــــون كلّ فضيلةٍ

مـــن وصل أرحامٍ وكسوة عاري

مَنَحتْهُ كـــلَّ مَحبـــــــةٍ ومـــودّةٍ

وأتته بالأقمــــــار والأزهــــارِ

حتى أتى جبــــــريلُ فوق حِرائه

فأفاض سَجْــــلَ النور والأسرارِ

وأقامــه الرحمـــنُ خيـــــرَ معلّمٍ

للناسِ يحميــــهم شُــــواظَ النارِ

فدعــــا الجميـــعَ بهمّـــةٍ عُلويةٍ

تسمـــــو على الحاجات والأغيارِ

فأجــابه الصِّـــديقُ ثم تتابعـــوا

أكـــــرِمْ بهم من عُصبــــةٍ أخيارِ

وجفــــاه شرُّ الناس مــن أعدائه

وتعاضـــدوا في عُصبة الأشــرارِ

سامـــوه مـــن مُرّ العِداء وعذّبوا

أصحــــابَه وخُلاصــــةَ الأبرارِ

صبروا على الضـــــراء ثم تتابعوا

في هجــــرة الأوطانِ والأثمـــارِ

وأضـــافهم ملكٌ تواتـــــر عدلُه

مـــــن خيرة الرهبان والأحبــارِ

حتى قضى الرحمــــــنُ نُصرة دينِه

بجحــــافلٍ من معدنِ الأنصــارِ

وفَـــدوا إلى البيت الحرامِ فأُكرِموا

بلقاءِ خيـــــر الخلق والأخيـــارِ

فتعاهـــــــــدوا بالله أن يتحمّلوا

نَصْـــــــرَ النبيّ مَجيئَــــــه للدارِ

فمضى إلى البيــــت الحرام مُودّعاً

تَهمي الجفــونُ بدمعها المِــــدرارِ

تاللهِ لولا أنّ أهـــلك أســـــرفوا

في الكفــــر والإيــذاء والإضرارِ

لبقيتُ قربَ البيت أسجـدُ خاشعاً

متبتّـــــلاً في الليل والأسحــــارِ

ومضى مــــع الصديقِ نحو مدينةٍ

ستفــــوحُ بالأطياب والأنـــوارِ

وفَداه ليـــــثُ الله سيّــــدُ هاشمٍ

ذاك العليُّ الجـــــــاهِ والمقــــدارِ

وترقّـــــبَ الأنصارُ طلعةَ وجهِه

وترنّمــــوا بالدُّفِّ والأشعــــارِ

نفسي الفداءُ لطلعــــةٍ قُرشيـــــة

تسمــــو على الأنــــوار والأقمارِ

حتى إذا هـــــلّ الحبيب مُوافيـــاً

ضجّــت بطيبةَ فرحــــةُ الأنصارِ

فأقام للإسلامِ أكـــرمَ مسجــــدٍ

بعـــــد العتيقِ الباهـــرِ الأسرارِ

آخى القلوبَ وصـــانها عن غِلّها

وأقـــام شــــرع الله بالأحـــرارِ

ومضى بأمـــر الله نحـــو مُهمّـــةٍ

تجـــــلو القلوبَ برحمــــة الغفارِ

ويُعلّـــم الدنيا حقيقة مجــــــدها

ويصــــونُها عن لوثة الإصـــرارِ

أخـــــلاقه العظمى صحيفةُ عزّنا

وجهــــادهُ الأسنى دليلُ الساري

هـــذي حروفـــي قد أتتك حييّةً

ترجــو القبولَ بصادق الأعـــذارِ

تفديك نفسي مـــــن مقولةِ شانئٍ

سيبـــــوءُ بالخيبــــات والأوزارِ

علّمتَنا الصفــــــح الجميل بسيرةٍ

محمــــودة الأفعــــال والآثـــارِ

يكفيـــــــك أنّ الله في قـــــرآنه

أثنى عليك بصــــادق الأخبـــارِ

صلّى عليك الله يا زَيْــــــنَ الورى

ما هبّت الأنســــامُ بالأسحــــارِ

وعلى صحابتــك الكرام تعاهدوا

نصراً لهَدْيِك في مدى الأعمـــــارِ