عوالم كثيرة تسافر بنا إليها الروائية اللبنانية منال الربيعي مع أحداث وتفاصيل روايتها الجديدة، «الخط الفاصل»، الصادرة أخيراً عن دار «أبعاد للنشر»، إذ نطل معها على مجموعة عقبات وأحقاد وجوانب هدامة، تعترض المحبة في واقع مجتمعي مرير فتكبل نقاءها، وتطرد ملامح البراءة، لتجعلنا مسيرين ومحكومين بأعراف واهية لا حياد عنها، ولتجعل السياسة والتحزب يتدخلان حتى في أدق تفاصيل حياتنا ومشاعرنا.
إن منال تسرد في «الخط الفاصل» تفاصيل حكاية حبّ مؤلمة، بطلاه كريم وريتا، وهي حكاية تتعثّر بحجر من تلك الحجارة، التي تبني قبراً مبكراً لجمال أحاسيسنا.
لكنها تتسلل أيضاً عبر دروب فرعية، إلى سبعينيات القرن الماضي في لبنان، لتطل على المشهد الاجتماعي والسياسي فيه فتقرأ في الكثير من الأعماق والجوانب وتحلل وتفصل وتفضح خبايا وخفايا وخلفيات الاحتراب والتقتيل، ولتقطع ساحة الوغى، التي أكلت الأرواح والقلوب، وتثبت أن الحرب تنتهي- وإن طالت- ولكن الحبّ لا ينتهي، وأن الحياة تستمر رغم عبث الموت وجنون الاصطفاف والتباعد بدافع اعتبارات عقيدية أو تحزبية، لكن يبقى التساؤل الجوهري المطروح في مساحات العمل: هل يمكن لتلك الحياة أن تكون متينة؟
هل يمكن للجراح أن تبرأ بالمسكّنات؟ وتبين الكاتبة أننا لا بد أن نعرف الإجابة سلفاً، لكننا نكابر حين نحارب الحب والمحبّين لبعضهم بعضاً بحكايات فشَل بعض أبطالها. ونجد في عمق سرديات الرواية وما تؤشر إليه منال أن الدافع خلف نسيج المسار الدرامي بعملها، لا بد له، دائماً وأبداً، أن يتكئ على فكرة القلوب النقيّة غير الملوّثة بالأحقاد والكراهية، والنأيّ بالحب عن كل موروثات التباعد والتحاقد المجتمعي والعنف المستشري، خصوصاً، لما لذلك من قيمة ودور وجدوى في معامع تلك الحقبة من تاريخ لبنان.
إن ما تحيلنا إليه الكاتبة يبدو شيئاً مغايراً لحاضره ولماضيه، ولكنه يصبو للصفاء المجتمعي، إذ تحاول أن تصوغ عوالم جمالية نقية، فتفتح نافذة مضيئة لقارئ المستقبل، منتصرة للإنسان لا لانتمائه الضيق، ولا للأحزاب السياسية، ولا لسادة الحرب، ولا حتى للضغط العاطفي الجائر، الذي تمارسه العائلة لإبقاء ابنها عالقاً في قفصها، وذلك طبعاً من خلال حكاية العمل، وعبر قصة حب صادقة.
