تاريخ موجز للبشرية يضيء على النشأة ووجهة التاريخ «العاقل»

صدرت أخيراً الترجمة العربية لكتاب «العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري»، عن دار منجول للنشر والتوزيع، وأنجزها المترجمان صالح الفلاحي وحسين العبري. تُرجم هذا الكتاب إلى ما يقارب 45 لغة منذ صدوره في عام 2011. وتصدّر هذا الكتاب مبيعات كتب التاريخ في موقع أمازون العالمي.

ونصح بِل غيتس، أثرى أثرياء العالم «كل مهتم بتاريخ الجنس البشري ومستقبله بقراءة كتاب العاقل». وقال عنه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إنه كتاب «مثير للاهتمام واستفزازي، ويُبيّن مدى قصر وجودنا على هذه الأرض».

مؤلف الكتاب يوفال نوح هراري، هو أكاديمي متخصص في التاريخ، أكمل دراساته العليا في جامعة أكسفورد، وصدر له عدة كتب غير كتاب العاقل هذا، تُعنى جميعها باستنباط أنماط حركة البشر وسماتها في التاريخ، واستشراف ذلك في المستقبل.

فمثلاً يجيب الكتاب - الذي بين أيدينا - عن عدد من الأسئلة الكبرى، مثل: لماذا ساد النوع البشري على بقية الأنواع الحية؟ ما هي الأسس البيولوجية لذلك؟ ما هي القواسم المشتركة لنشوء الحضارات؟ هل للتاريخ وجهة؟ وكيف نشأ الهاجس الأخلاقي لدى البشر؟ وهل تؤثر صيرورة التاريخ وتقدمه على سعادة البشر؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة يتناول كتاب العاقل تاريخ البشرية على مدى زمني كبير، وهذا ما يشير إليه العنوان الجانبي «تاريخ موجز للبشرية»، وقد أجاد المؤرخ والأكاديمي يوفال نوح هراري مؤلف الكتاب في تتبعه الحاذق لتاريخ البشر، إذ يجول بالقارئ في محطات يعتبرها الأهم في تاريخنا.

وذلك من خلال رؤية رصينة ومتماسكة للتاريخ يدعمها بأحدث الاكتشافات العلمية ونتائج البحوث الأركيولوجية، يعتبر مؤلف الكتاب أنّ تاريخ البشر مرّ بمنعطفات حرجة تبدأ بالثورة الذهنية ثم الثورة الزراعية وبعدها الثورة العلمية، وأثناء ذلك تشكلت أسباب مهمة جعلت البشر يتوحدون لتحقيق أهداف جماعية كبرى.

وعند حديثنا عن تاريخ الإنسان يقفز إلى الذهن عادة تاريخٌ يمتد لمئات أو بضعة آلاف من السنين وحسب، أو تاريخ الحضارات الكبرى المعروفة.

والتي لا تتجاوز الألف الخامس قبل الميلاد، إلا أن هذا الكتاب عندما يتحدث عن تاريخ البشرية فإنه يبدأ بالحديث عن التاريخ الموغل في القدم، تاريخ أسلافنا الغابرين الممتد لعشرات الآلاف من السنين، ويحاول، من خلال المعطيات، وضع تصور لمسار التاريخ، مما يمنح القارئ صورة أكثر اتساعاً وفكرة أكثر إحاطة بالموضوع.

يكرّس المؤلف الجزء الأول من الكتاب للحديث عن الثورة الذهنية، ويشير إلى تمكن البشر خلال الثورة الذهنية من تجاوز موقعهم في السلسلة الغذائية، وهو الموقع الذي ظلوا فيه لفترة طويلة، وقد تمكنوا من فعل ذلك بفضل التطور الذي جعل أدمغتهم أكبر وجسدهم منتصباً، يقدر الكتاب وقت حدوث تلك الثورة بسبعين ألف سنة خلت، وهي الفترة التي يقدرها الباحثون لموجة انتشار الإنسان العاقل من القارة الأفريقية.

وسمحت الإمكانات الفسيولوجية الجديدة بمزيد من السيطرة على البيئة التي عاش فيها البشر وتجولوا خلالها كصائدين جامعين، وبفضلها تمكنوا من الانتشار السريع في أرجاء الأرض ليتركوا أثراً بيئياً جسيماً تمثل في إبادة الكثير من الحيوانات البرية الضخمة، الأمر الذي سيواصل البشر فعله في تاريخهم اللاحق، يعرّج الكتاب في حديثه عن الثورة الذهنية على الدور المحوري للغة في بناء المجتمعات.

ظل الإنسان العاقل يعيش وفق نمط حياة التجوال والصيد لعشرات الآلاف من السنين من بعد الثورة الذهنية، إلى أن حدث تغير جذري في نمط حياة العاقل تمثل في اهتمامه بزراعة النباتات وتدجين الحيوانات، مما أذن بثورة أخرى أثرت جذرياً على مسار التاريخ البشري وهي الثورة الزراعية التي صنعت واقعاً اجتماعياً مختلفاً تماماً فاتحة الباب لأنظمة سياسية ولأساطير جديدة يتعاون البشر من أجلها.

وهذا هو موضوع الجزء الثاني من الكتاب، إلا أن المؤلف يسلط الضوء أيضاً على الضريبة التي دفعها الإنسان العاقل نظير تدجينه للنباتات والحيوانات، إذ إن الجهد اليومي الذي يبذله الفلاح في المجتمعات البشرية الزراعية على مدى تاريخها الطويل يجعل من العناية بتلك النباتات والحيوانات عبئاً.

بساطة اللغة

اتسمت الترجمة العربية للكتاب بجزالة اللغة وبساطتها وتسلسلها المنطقي. وقد استطاع المترجمان نقل الحسّ الساخر الذي أبداه المؤلف في النسخة الإنجليزية من الكتاب. وبذل المترجمان جهداً في التبسيط عبر إضافة هوامش وزوائد شارحة لبعض المفاهيم الواردة في الكتاب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات