لا تزال صورته في ذاكرتنا كما هي، يقطع بخطوات هادئة المسافة بين موقف السيارات ومدخل «البيان» الرئيسي، متوسداً «كيسه» الورقي، حاملاً فيه أوراقاً وكتباً، قبل أن يمضي نحو البوابة الرئيسية، كان يتوقف ليلقي التحية على زملائه ممن يصادفهم، مسلماً عليهم، مبتسماً في وجوههم، سائلاً عنهم وعن أحوالهم، ليمضي من بعدها نحو مكتبه، ليقلب بين يديه الأخبار، التي ترفل بها صفحات «البيان» وأخواتها، ليبدأ من بعدها رحلته في تدقيق التقارير وقراءة المقالات وإعدادها، تمهيداً لنشرها في عدد اليوم التالي من الصحيفة، التي طالما أسكنها في قلبه وبادلته الحب والإخلاص بمثلهما.

هكذا كان الراحل د.مغازي البدراوي، «عاشق الصحافة»، كما سماه زملاؤه، والمثقف والزميل المتواضع والجميل، الذي ودعنا، أمس، على حين غفلة، مغادراً بلاط صاحبة الجلالة، ليحط رحاله عند ربه، تاركاً مقعده في «البيان» شاغراً، بعد أن شغله لسنوات طوال، عرفه الجميع خلالها بوجهه البشوش، وضحكته الجميلة، وهو الذي كان مرجعاً للجميع، لا سيما بكل ما يتعلق بشؤون روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً، وآسيا الوسطى، حيث كان الراحل، عارفاً جيداً بها، حيث كان متخصصاً في هذا المجال، الذي أثرى صفحات «البيان» بمقالات عديدة، جلها يصب في هذا الإطار، تحليلاً ومناقشة وتفصيلاً.

مسيرة

الراحل د. مغازي البدراوي، ابن مدينة المنصورة المصرية، الحاصل على درجة الدكتوراه في القانون الدولي والعلاقات الدولية، من جامعة موسكو. وكان، رحمه الله، قد انضم لأسرة «البيان» قبل 16 عاماً، حيث عمل في أقسامها المختلفة، بدءاً من القسم الخارجي، ومروراً بملحق «مدارس وجامعات»، وقسم الدراسات، وأصبح لاحقاً مسؤولاً عن صفحات الرأي في «البيان» التي اختتم، أمس، رحلة عطائه فيها.

تمتع، رحمه الله، بسيرة عطرة، فأحبه الجميع، حيث تميز بـ «قفشاته المرحة»، ولسانه الرطب، وهو الذي تخرج في جامعة القاهرة في 1975، بشهادة ليسانس حقوق، كما حصل على ماجستير في القانون الدولي والعلاقات الدولية من جامعة موسكو في 1989، وتلاها بالحصول على درجة الدكتوراه من الجامعة ذاتها في 1993، ذلك كله مكنه من أن يكون «محللاً وخبيراً موسوعياً»، حيث ترك للمكتبة الإعلامية مئات المقالات والدراسات المتخصصة في الشأن الدولي والعربي، والتي نشرتها عديد الصحف الخليجية والعربية.

كل من عرف د.مغازي، كان يرى فيه صديقاً وأخاً عزيزاً، حيث لم يتعود أن يبخل بما يمتلكه من معرفة، وهو الذي عرف دروب السينما والمسرح أيضاً، وامتلك قدرات التمثيل على الخشبة، جاب بلاد الدنيا، وعاش في إيطاليا، وروسيا، حيث اختار بيته في مدينة ياروسلافل الروسية، على ضفاف نهر الفولغا، الذي طالما وقف على ضفافه متأملاً، حيث كان يعتبره «مكانه المفضل» في روسيا، التي يتقن لغتها إلى جانب الإنجليزية ولغته الأم العربية، التي أحبها كثيراً، ونقش مقالاته بحروفها.

منجزات

مسيرة د. مغازي، ثرية بالمعرفة، فقد ترك للمكتبة العربية، جملة مؤلفات، من بينها «السلاح النووي الإسرائيلي ونظرية الردع بالظن» و«التوازن النووي والدرع الصاروخي»، و«روسيا وإيران- تعاون أم تحالف»، و«الفضائيات الإخبارية - التمويل والهوية والتوجهات»، جلها نشرت في أبوظبي ضمن إصدارات «مركز زايد للتنسيق والمتابعة»، وضمن إصدارات دار الحضارة العربية للطباعة والنشر في مصر، كما أسهم، رحمه الله، في إثراء المكتبة العربية بترجمات لكتب عديدة من الروسية، كما كتاب «رهائن الكرملين»، و«الأب الروحي للكرملين»، و«ملفات المخابرات السوفييتية»، و«الدبلوماسية السوفييتية والروسية»، وغيرها.

رحيل د. مغاري، خلف صدمة بين زملائه وكل من عرفوه عن قرب، وأولئك الذين تعودوا نقاشاته وتحليلاته ونظرته المتفحصة في الشأن السياسي، التي أثرى بها عمله الإعلامي، وهو الذي عمل خلال الفترة من 1992 وحتى 1997، مراسلاً تلفزيونياً لدى شركة «دبليو تي ان» الأمريكية من موسكو، ولقنوات دبي وأبوظبي والكويت والسعودية، كما عمل مراسلاً في الفترة ذاتها لصحيفة «البيان» ومجلة «الإمارات اليوم»، كما عمل أيضاً مستشاراً إعلامياً بسفارة سلطنة عمان في موسكو، خلال الفترة من 1990 - 1997.