بات الفن البيئي من القطاعات الملهمة في حراك الفنون التشكيلية رغم حداثته تصنيفاً، وما زال الكثير من النقاد والفنانين ينظرون له كجزء من بيئة تفاصيل الاشتغال ضمن بناء فكرة العمل وتوظيف الحواس، فهو الوسيلة وليس الغاية، من استخدام المواد المهملة وإعادة تدويرها فنياً لاكتشاف أبعاد متجددة بالحركة والمرونة، وقد تلتقي ممارساتها الفنية مع تقنيات المجتمع الإبداعي من حيث تحقيق الاستدامة في الفنون ومصادرها المتمثلة في الطبيعة كمصدر رئيسي، ومن ثم التراث الفني الحضاري القومي والعالمي، بجانب التجريب كمصدر مستحدث مع التطورات التكنولوجية والمعرفية.

واقعية العناصر

وفي السياق، تؤكد الفنانة وأستاذة الفنون والصناعات الإبداعية شيخة المزروع أن مفهوم «الفن البيئي» يبحث في إنعاش الحركة الجمالية وأبعادها في المشروع الفني ضمن إيقاع النظام الإيكولوجي القائم على استخدام عناصر وخامات مهملة بهدف تفعيل لغتها البصرية إلى شعور يلامس الواقع لدى المتلقي بمختلف اتجاهاته الإدراكية القادرة على المحاكاة وتتمتع بتأثير مادي وبصري قوي عبر إعادة استخدام المخلفات أو المواد المعاد تدويرها، ما يسهم في تسليط الضوء على جوهر تلك الأعمال وفهم تراكيبها المادية المصنوعة عبر أساليب غير تقليدية والقائمة على بساطة الفكرة والمادة معاً، وما بين مكونات جامدة ورؤية حركية نقاط مشتركة منها التصميم والتنفيذ والإنتاج من خلال التزاوج بين الحداثة من منظور إبداعي وأصالة المضمون المحاكي للحواس البصرية وللتوازن البيئي، الذي قد يمهد الطريق لتبادل ثقافي مستدام.

قيم متصلة

يشير الدكتور الفنان محمد يوسف لمفهوم الأشغال الفنية في الفن المعاصر، حيث أصبح هذا المجال يتقبل مختلف الخامات والتقنيات التي من خلالها يمكن تحقيق المفاهيم والأفكار والفلسفات والقيم التعبيرية والتشكيلية التي تجعل منه رسالة مهمة، فإضافة إلى كونه نقطة تحول من المشغولة التقليدية يعد كذلك مقياساً للنضج العقلي والتحرر الفكري، ما أدى إلى تغير الرؤية التعبيرية للعمل الفني ومن واقع تجربتي تحمل أعمالي التركيبة التي أنظر لها كقيم متصلة ومستمرة من البيئة وإلى البيئة واعتدت إخراج العمل بأسلوب خاص يوحي بالحركة والتفاعل المستمر لتحقيق التلقائية في الفن والبساطة من وحي التراث كمفردة لونية متعددة الأوجه والانشغالات الفنية الاستثنائية التي تدعو ليس فقط للتأمل والانحياز العاطفي، ولكنها تسعى إلى توسيع المدارك والنظر للعمل بشكل آخر يفوق حدود الزمان والمكان.

مصدر إلهام

من جهته، يرى وليد أحمد رئيس لجنة موسم دبي الفني، أن البيئة والطبيعة لطالما شكلا مصدر إلهام للفن والفنانين على مر العصور. وقد شهد الفن البيئي انتشاراً في عصرنا الراهن رغم حداثته نسبياً بفضل عدة عوامل، تشمل زيادة الوعي والتثقيف والإدراك والفهم لهذا النوع من الفن، فكلما كان المجتمع أكثر إدراكاً واهتماماً بالعنصر الإبداعي، ساعد ذلك في تعزيز الفنون بشتى أنواعها.

يتميز هذا النوع من الفن بفرادة تكمن في خروج الفنان نفسه على المألوف عبر استخدام أشياء مهملة مضرة بالبيئة وإعادة تدويرها لخلق عمل بصري ينطوي على جمالية خاصة.

توظيف مهارات

ويوضح خليل عبدالواحد مدير إدارة الفنون التشكيلية بهيئة الثقافة والفنون في دبي، أن الاهتمام بالفن البيئي بدأ يزداد مع التطور والوعي لدى الأفراد حول التلوث والتشوهات التي تصيب الكون، ويتأثر بها الإنسان مناخياً وطبيعياً، وتؤثر سلباً في حياته.

ومن وظائف هذا النوع من الفن إحياء علاقة الفنان أو الفرد بالطبيعة، وطرح أفكار مبتكرة توظف المهارات الجمالية للتعايش مع المحيط والبيئة، وبث رسالة لعلاج الضرر الذي تتعرض له البيئة.