للفنانة فيروز أغنية بعنوان «قمرة» مما جاء فيها: «حبيبكْ وصّاكِ.. تَ تْضلّي بالبيت.. وْمين ما حاكاكِ.. ما تِتركي البيت.. ما بدّو تشوفي حدا.. ولا تردّي عَ حدا.. وْكلّ البواب مسكّرة..».
من يسمعها للمرّة الأولى يخطر بباله أن الأغنية كتبت في زمن العزل المنزلي. لكنّ الأخوين رحباني لم يكونا في حجر منزلي عندما كتبا ولحّنا هذه الأغنية سنة 1967. واضح أن الفن ليس له زمن، وإن صيغت أعماله في سياق زمني أو حدثي.
في هذه الأيام حيث يواجه العالم جائحة كورونا، يبرز دور الفنان في التغلّب على إجراء الحجر المنزلي للملايين في العالم. هنا يجد الناس متنفّساّ، وهنا يبرز دور الفنّانين في توظيف إبداعهم خدمة للناس القابعين في البيوت، وكسراً لمللهم.
ربما لم يدر في خلد المغنية اللبنانية الصاعدة شانتال بيطار أنها ستحصد 200 ألف مشاهدة خلال 24 ساعة لأغنية نشرتها على مواقع التواصل الاجتماعي وتتناول فيها «الحجر الصحي» في أجواء «كورونا»، رغم أنها التي لا تزال غير معروفة خارج لبنان، لكنها قدمت أغنية بأسلوب بسيط وعفوي، وبلا أي استعداد وموسيقى مصاحبة، إذ جلست أمام الكاميرا وردّدت كلمات المؤلف والموزع الموسيقي ريان الهبر: «عم تخطر عبالي بالحجر الصحي.. بيخطر لي اكتبلك.. وعم ارجع محّي.. كيفك بالبداية؟.. مقضي وقتك كيف؟.. شو وضع الوقاية؟.. وشو وضع التنظيف؟.. كم من رواية قريت.. مين اتصلت حكيت.. عم تاخد بالك ع حالك؟.. عم تاكل صحي؟«.
محمد عادل
في مصر قام شاب يدعى محمد عادل بعزف مقطوعة موسيقية من شرفة منزله لجيرانه في منطقة فيصل التابعة لمحافظة الجيزة الأمر الذي قوبل بترحاب واسع وتصفيق حار من جيرانه الذين وجدوا في هذا الأمر تبريداً لأعصابهم وتسلية وتمريراً للوقت خلال حظر التجوال الليلي. يقول محمد عادل، عازف الكمان، لـصحيفة»اندبندنت عربية«، إنه»مع تطبيق حظر التجول في مصر التزم الجميع منازلهم، وأصبحت فترة المساء طويلة عليهم، وشاهدتُ الفيديوهات المنتشرة عن عزف الناس وغنائهم من الشُّرفات في الخارج وتساءلت: لماذا لا نقوم بالأمر نفسه في مصر؟ وبالفعل قرّرت خوض التجربة وبدأت العزف من شُرفتي، وباعتقادي أنها مقطوعة واحدة، وستنتهي القصة. وقتها خرج جيراني لاستطلاع الأمر، وبعد انتهائي فوجئت بتصفيق وتشجيع ومطالبة بالمزيد فعزفتُ«.
وزّع كورونا
وفي سوريا، أطلق الفنان أيمن رضا على صفحته في»فيسبوك«فيديو من باب الدعابة والمرح يظهر فيه وهو يرتدي ملابس المنزل ويمسك آلة العود ويعزف ويغني أغنية تقول»وزع كورونا واعدينا«على مبدأ الأغنية التي اشتهر فيها في المسلسل السوري»أبو جانتي«وهي»وزع شوكولاتة وْطعمينا«. وتقول كلمات الأغنية:»وزّع كورونا واعدينا، وعلى أقرب مشفى ودينا، وزّع لكل الموجودين، من عنا لبلاد الصين«.
وكان العديد من الفنانين نشروا العديد من المشاركات بالفيديو ضمن»هاشتاغ«خليك بالبيت لتشجيع المواطنين وتوعيتهم على البقاء ضمن المنازل واتباع تعليمات الحجر المنزلي، كما أطلق العديد من المواطنين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الأغاني التي تتكلم عن»كورونا«، بعضها للتوعية وبعضها الآخر للمرح والتسلية والتقليل من الهلع.
البداية إيطالية
لكن للتوثيق التاريخي، كانت البداية في أوروبا، وتحديداً إيطاليا بعد تفشي»كورونا«فيها على نطاق واسع، ما أجبر الشعب الإيطالي على البقاء داخل المنازل. وبعد أكثر من 80 عاماً، عادت الأغنية الشهيرة»بيلا تشاو«من جديد في شرفات المنازل الإيطالية، حيث إن هذه الأغنية تعد أيقونة مؤثّرة في المقاومة الإيطالية الشهيرة في الحرب العالمية الثانية، واستعيدت للتصدي لفيروس كورونا، ولرفع الروح المعنوية للطليان في ظل الحجر المنزلي. وتداول بعض من الإيطاليين مقطع فيديو جديداً لشخص وهو يعزف ألحان أغنية»بيلا تشاو«من شرفة منزله، في إشارة للمقاومة التي تعيشها إيطاليا الأيام الحالية لمواجهة الفيروس المستجد.
ألبرتو جيستوسو، عازف البيانو الإيطالي عزف أغنية سيلين ديون الشهيرة من فيلم تايتانيك، من شرفة شقته وشارك جيرانه في الحي، ونشر الفيديو على»إنستغرام«بعنوان»تخيّل«، وحقّق نحو ثلاثة ملايين مشاهدة.
ونشر المغني الأسكتلندي لويس كابالدي تقديره لمغن معزول يقوم بأحد أغانيه من شرفته، ويظهر مقطع فيديو شخصاً غير مرئي يغني أغنية»شخص ما تحبه«، وقام النجم بإعادة تغريد الفيديو وعلق قائلاً:»كن آمناً«. وسجل فيديو في مدينة سيينا في توسكانا شوهد أكثر من 600 ألف مرة على»تويتر«، ويعرض السكان المقيمين وهم يغنون»كانتو ديلا فيربينا«التقليدية حول المدينة من نوافذهم.
وفيما أغلقت الصالات الفنية والمتاحف أبوابها بسبب»كورونا«، قدم نحو خمسين فناناً مقيما في برلين أعمالهم على شرفات الأبنية ودعوا الجمهور إلى»زيارة حميمة«لاكتشاف ابداعاتهم.
حفلات الإنترنت
في برلين، ظهر جو سونغ -جين عازف البيانو الكوري في ركن ببيته، وعزف قطعة للموسيقي الألماني يوهانس برامس، جامعاً الملايين من جمهور الموسيقى الكلاسيكية في عرض حي على الإنترنت. كان ذلك لقاء نادراً بالنسبة لمحبي جو والموسيقى الكلاسيكية من جميع أنحاء العالم.
وعلى غرار جين، قدّم 10 من عازفي البيانو العالميين عروضاً عبر الإنترنت، كجزء من عرض عالمي حي، نظمته شركة التسجيلات الألمانية»دوتش غراموفون«، وتم بثه على اليوتيوب وموقع الشركة.
وبمناسبة عيد الفصح، نظمت المغنية الأوبرالية آديل بيلمون حفلاً غنائياً لجيرانها في الفناء الداخلي للمبنى الذي تسكن به في باريس. وأكدت آديل بيلمون أنها سعيدة جداً بالغناء ما دام ذلك يجلب السعادة للناس، بالرغم من معرفتها أن النوع الغنائي الذي تؤديه لا يروق لكل شرائح المجتمع. لكنها أوضحت أن الموسيقى تبقى مصدر وحي وإلهام.
لوحات
ومع استمرار عملية الحظر في مدينة برازوس بولاية تكساس الأمريكية، استخدم فنان محلى هو دليون لوت موهبته في إنشاء لوحة تحت عنوان»فيروس كورونا«، وبسبب الوباء، حيث رسم شقيقة زوجته مرتدية قبعة وثوباً وقناع وجه، ويمكنك رؤية مبنى عليه لافتة»مغلق عن العمل«، يصور العمل الفني عدم اليقين في المستقبل ولكن لديه الإيمان دائماً في الأوقات الصعبة.
فنان أمريكي آخر شاب يدعى كوكس يبلغ من العمر 23 عاماً، كرّم العاملين في الخطوط الأمامية للتصدي لفيروس كورونا، من خلال لوحة فنية. يقول كوكس إنه يعيش بالقرب من مركز ريتشموند الطبى الجامعة، حيث يمكنه سماع صفارات الإنذار طوال اليوم تقريباً، كل يوم حتى وقت متأخر، وذات ليلة جاءت الفكرة لديه وبدأ في رسم اللوحة، مؤكداً انه سيتبرع بالمال للحصول على معدات الوقاية للرعاية الصحية لصالح المصابين بالفيروس».
