وداعاً «عبد العزيز أبو زكريا»

صورة

شهدت ستينيات القرن الماضي وصول عدد من الإخوة الطلبة من أبناء سلطنة عمان للدراسة بمدارس الإمارات، منهم من ذهب إلى أبوظبي، ومنهم من جاء إلى دبي، حيث التحقوا بمدارس المرحلة المتوسطة ثم الثانوية، وكانوا من خيرة الطلاب ذكاءً وأدباً، وبعد أن أنهوا دراستهم الثانوية غادروا للدراسة الجامعية في بلدان مختلفة.. منهم من غادر إلى العراق، ومنهم إلى مصر، ومنهم إلى سوريا، وبعضهم اختار أوروبا.

ومن الذين جاءوا إلى دبي كل من السفير موسى جعفر الذي أصبح فيما بعد سفير عمان لدى اليونسكو، وكان أحد المرشحين لإدارتها. وسعادة علي الجرواني الذي صار وكيلاً لوزارة التربية والتعليم في السلطنة، وكل من محسن محمد علي الشيخ، وعلي جعفر ومحمد رضا عبد اللطيف وحسين عبد اللطيف، ويحيى الشيخ وسعيد العامري وآخرين.

وكان من بين أولئك تلك الشخصية العصامية التي أنا بصدد الحديث عنها، إنه الطالب المجد المجتهد، والذي بدا أنموذجاً فريداً بين زملائه حيث لعب دور الأب الروحي للكثير منهم، فقد استأجر منزلاً في منطقة البطين وكان يستضيف الوافدين منهم حتى يحصلوا على سكن ويرتبوا شؤونهم.

إنه ذلك الشاب القومي الوطني عبد العزيز عبدالله عزيز آل عمر الذي اشتهر بلقب (بو زكريا) اللقب الذي اختاره حتى قبل زواجه ووصول زكريا الابن. وتجدر الإشارة أنه قبل أن يصل إلى دبي كان مقيماً في إحدى دول الخليج للدراسة، ونظراً لمواقفه القومية ونداءاته التي يصرح بها أمام الجميع طُلب منه المغادرة.

وجاء هنا ومارس الدور ذاته، فكان لا يُرى إلا مرتدياً الزي الكشفي، وحاملاً بيده جهازاً مكبراً للصوت (ميكروفون) ويتجول في الأسواق، ومشجعاً في ملاعب كرة القدم، وداعياً إلى الأفكار القومية التي كانت شائعة في تلك الفترة، فلما رآه السيد بريكس قائد الشرطة آنذاك، وكان قبل ذلك يعمل في البلد الخليجي الذي كان فيه بوزكريا، قال له: تركتك هناك وألقاك أمامي هنا.

ذلك الشاب الممتلئ بحب الوطن وبالقومية العربية والذي ينادي بها في كل التجمعات والتظاهرات لم يكن منتمياً إلى حزب أو جماعة، ولم ينضم إلى ما كان يطلق عليه جبهة تحرير عمان، بل كان منطلقه الوحيد حب الوطن، وبرغم ذلك اعتبره البعض مجنوناً والبعض اتهمه بالعمل جاسوساً للإنجليز يريد بقيادته التظاهرات ونداءاته القومية أن يجلب الشباب معه فيكونوا صيداً سهلاً للإنجليز.

كما اتهم بذات التهمتين قبل ذلك شخص آخر من أبناء الشارقة يدعى «محراق»، حيث كان يدور الشوارع خطيباً ومندداً بالإنجليز. وهو أول من تنبأ بالهاتف المحمول حيث كان يضع علبة على أذنه ويتحدث، وكأن معه أحداً على الطرف الآخر.

بوزكريا كان طالباً بالمدرسة الثانوية وموظفاً في المساء في بنك دبي الوطني (بنك الإمارات دبي الوطني) حالياً، وقد أسس مع مجموعة من الطلبة العمانيين زملاء الدراسة نادياً اجتماعياً باسم نادي طلبة عمان واتخذوا المبنى القديم للمدرسة الأحمدية مقراً لهم. وكان تجمعاً طلابياً متميزاً في الأنشطة الثقافية والاجتماعية. كان بوزكريا مشغولاً بالشأن الاجتماعي فقد كان يكتب في مجلة أخبار دبي، المجلة التي كانت منبراً لكل الشباب والتي من بين صفحاتها تخرج كثير من كتّاب اليوم.

وقد كتب فيها مقالة موجهة إلى فتيات الجيل الجديد حول حقوق المرأة، يدعو فيها إلى مواجهة المغالاة في المهور، حيث يقول:

«والحق هنا... هو حق البنات في تقرير مصيرهن، والمطالبة بحقوقهن. حتى لا تزداد المشكلة اتساعاً.. وتتفرع بجانبها مشاكل أخرى.

إنها مشكلة المغالاة في المهور.. التي تقف سداً منيعاً بين شقي مجتمعنا.. الفتيان والفتيات.. وتعوق تكوين الأسر التي يتكون منها المجتمع.. من ابن وابنة البيئة والوطن».

ثم يدعو إلى تشكيل جمعية نسائية قائلاً:

«ولذا فأنا أدعو فتياتنا فتيات الجيل الجديد إلى تكوين جمعية أو الاتصال بجمعية النهضة العمانية الخاصة بالنساء ليتدارسن هذه المشكلة ويتعاون في اتخاذ الخطوات اللازمة لحلها.. وهدم ذلك السد الضار الذي أصابت أضراره الكثيرات من فتياتنا المغلوبات.. المسلوبة حقوقهن في تقرير مصيرهن.

أخواتي فتيات الجيل الجديد

أنتن صاحبات الحق كما ذكرت في أول رسالتي.. وأما الفتيان ففرصهم أكبر من فرصكن.. وهم يستطيعون الزواج من الخارج.. وسوف يلجأون إليه إذا لم يحل المجتمع عقدتهم».

بوزكريا لم يهمل رفاقه الذين شجعهم على المجيء إلى دبي للدراسة، بل كان يسعى لهم لدى جهات عدة للحصول على بعثات دراسية إلى روسيا. ويذكر الدكتور محمد حمدان أن الكثير منهم استفادوا من تلك الجهود، وقد عرض عليه هو شخصياً فرصة السفر إلى روسيا، لكنه حصل على بعثة للدراسة في القاهرة.

غادر بوزكريا إلى مصر للدراسة في جامعة القاهرة، استكمالاً لعمله ببنك دبي الوطني، ليعود بعد ذلك ويعمل بالإدارة المالية في وزارة التربية والتعليم.

كل الذين جاءوا من أبناء عمان للدراسة عادوا إلى عمان للعمل، إلا بوزكريا فقد أحب الإمارات وأقام بها وحصل على جنسيتها، ليكون ابناً صالحاً من أبنائها، وكان صديقاً لكل من يلقاه ودوداً ظريفاً. لقد كافأه الله على ما قدمه لأبناء عمان أن تخرج أبناؤه الثلاثة أحدهم قاضٍ، والثاني محامٍ، والأكبر فيهم مهندس طيران.

رحمك الله يا أبا زكريا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات