العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    فهرنهايت 451 دستوبيا السرد في كون بلا كتب

    تجذر في مساحات الاتصال والانفصال تجلت بين الموقد والنار، حينما تصبح حيازتك لكتاب جريمة كبيرة ثمنها حياتك، وعندما تصبح الكتب حطب الخلاص الأبدي من المعرفة، وحينما تصبح جدرانك المعتمة تحت مجهر يتفحص حيثيات يومك لكي لا تهرب الكتب إليك، وليس هذا فحسب، إنما يتجلى السيناريو الأكثر رعباً أن تصبح مهمة رجل الإطفاء هي إحراق الكتب بحرارة 451 فهرنهايت، لكي يتناثر رماد النور والمعرفة على صراط جهنم التي كنفتها دفتي رواية «فهرنهايت 451» للكاتب الأمريكي راي برادبوري.

    «كان من المبهج إحراق الكتب» جملة مريبة كانت حبل الخلاص من الجمود الفكري للحقبة القادمة التي رسمها برادبوري، فمن الوهلة الأولى ومن السطر الأول، تنبأ بعودة الحقبة الماكارثية في أمريكا، التي تنسب إلى السيناتور جوزيف ماكارثي في بداية خمسينيات القرن الماضي أثناء الحرب الباردة، التي شهدت إبادة للفكر وتغريباً للمفكرين وقمعاً بالنار والحديد طال الأدباء والكتاب السياسيين واقصائهم بتهمة الشيوعية، برادبوري يخبرنا أن تلك الحقبة ستعود، وأن مقابر الكتب ستتناسل بجنون ككرنفال موت بطيء متقد «بالكيروسين» على شفير المعرفة، والتفسير المنطقي حسب أحداث الرواية وشخوصها «لا يوجد شيء سحري في الكتب، إن هي مجرد أوعية حفظنا فيها أشياء خفنا أن ننساها، السحر هو ما تقول الكتب، الطريقة التي تخيط بها رقع الكون لتصنع منها ثوباً واحداً لنا، إنها تظهر الثقوب في الحياة، ولذلك هي مخيفة، إن الناس العاديين يرغبون في وجه جميل للحياة كأنها تمثال شمعي».

    حوار

    فهرنهايت 451، تروي قصة مجتمع يسعى نحو دماره إراديا بل ويلهف لحدوثه، حيث يحاول مونتاغ -وهو بطل الرواية- مواجهة زوجته وأصدقائه بحوار عقلاني، حيث يحاول إطفاء التلفاز وحثهم على التفكير، فيغضبون ويرتبكون، عند ذلك يدرك مونتاغ أن مساعيه لا تفضي لشيء؛ لأنهم يعيشون في فقاعة، فلقد بدأ حرق الكتب حين اختار الناس ألا يواجهوا الأفكار التي تقلق راحتهم.

    هناك سبب يجعل أدب الخيال العلمي الكابوسي مقاوماً للزمن، وهو أن الناس ينظرون إلى المستقبل بارتياب كلما تسارعت عقارب الوقت، وذلك لأن الاعتقاد السائد هو أن الفوضى ستحكمنا وتكبلنا بأصفاد سيكون الخلاص منها مستحيلاً، كما أن التغير في النظم السياسية المتنامي على مر السنوات، يجعل أدب كلاسيكيات المدينة الفاسدة قبلة للتأويلات وفهم الواقع وتقبل ما تؤول إليه الأمور وتتبدله من أجله الأحوال، ومنها رواية «فهرنهايت 451» التي ما زال تأثيرها وتداعيات أفكارها حاضرة لتفسر بشكل جلي ما نعاصره من أحداث، وقد يتفاجأ البعض بأن الرواية التي تمت كتابتها قبل أكثر من 6 عقود لا تزال مخيفة بالقدر ذاته للجمهور المعاصر، وتعتبر من نوادر روايات الخيال العلمي التي يزيدها مرور الوقت شباباً، مما يعني أن بذور هذه الرواية موجودة بالفعل، تتناسل عبر الأزمنة بشكل مريب، وهي نظرة لا يعني بالضرورة أنها ستتحقق، ولكن الفكرة المخيفة التي تحملها الرواية لرجال إطفاء يشعلون النار في الكتب لنسف المعرفة، تحليل موجز لإمكانية انهيار مجتمعاتنا دون إطلاق رصاصة واحدة، وهي مرآة قاتمة لواقعنا، حيث التسلية السهلة متوفرة كل الوقت على أجهزة نحملها معنا دوماً، وكيف يخلق الناس صوامع ضيقة من المعلومات المحدودة لحماية أنفسهم من المعرفة الدخيلة.

    تساؤل

    لحظة التنوير في رواية «فهرنهايت 451» تفرز تساؤلاً فلسفياً عميقاً في جذور الإنسان، يرسم علامة استفهام كبيرة وهي: أحقاً نمضي نحو العتمة ونحترق ونعاود إدمان الفناء في مواكب النور، دون رأب صدع المعرفة؟ تساؤل يحثك على بدء قراءة هذه الدستوبيا المريبة في عالمنا المتبدل، وقد يكون هذا التساؤل هو الأكثر رعباً!

    طباعة Email