توثيق قضية التراث عبر الفنون المعاصرة، يُسهم في استعادة تواريخ ضائعة، ليس عبر التوثيق والتصنيف فحسب، بل عبر عناصر الاستبصار والتأمل والتخيل، وهو جزء من جهود مركز جميل للفنون الذي آثر أخيراً عبر معرضه الفني «ذاكرة المبتور» الكثير من الموضوعات ذات الصلة، والتي تشهد اهتماماً عالمياً وهي أشد إلحاحاً في منطقة الشرق الأوسط، حيث اشتمل المعرض على أحد أهم الأعمال التركيبية لهذا الموسم والتي جاء بعنوان «خرائط المواجهة» وهو عمل تركيبي كبير يجمع بين المواد البصرية وخرائط ذات تفاصيل ونماذج ثلاثية الأبعاد وتحليل للبيانات، وهي من تنفيذ وكالة الأبحاث «فورينسك أركيتكتشر» وبمشاركة إنتاجية من مؤسسة فن جميل ومتحف فكتوريا وألبرت، يسلط الضوء على المعضلة البحثية بخلفيات الاستعمار والحروب وصراعات الهيمنة الثقافية.

رصد

وأكدت لانا شما، مدير البرامج العامة بمركز «فن جميل» لـ«البيان»، أن العمل التركيبي «خرائط المواجهة» يرصد ما تميزت به البيئات في المناطق التي شهدت حروباً ونزاعات من قيمة وأهميّة، ويبيّن كيفية نشر الأدوات البسيطة والمعقدة تقنياً، وتوزيعها واستخدامها لدعم صمود المجتمعات الأهلية.

وتابعت: في أغسطس 2014، تم اجتياح جبل سنجار شمالي العراق؛ بهدف القضاء على سكانه، وشهد مظاهر تدمير شملت الحقول والبيوت والمزارات الدينية، وفي أبريل 2018، بدأت منظمة «يزدا» العالمية بمشاركة وكالة «فورينسك أركيتكتشر» للأبحاث المستقلة، وبمبادرة وتكليف من مركز «فن جميل» ومتحف فكتوريا وألبرت بدأت حملة تدريب هدفها تزويد فريق «يزدا» المحلي بالأدوات والمعدات والتقنيات اللازمة لتوثيق المواقع التي شهدت أعمال الإبادة والتدمير، وذلك قبل اختفاء الأدلة على أرض الواقع.

هوية معمارية

ولفتت لانا إلى أن ما يعرض يمثل المراحل الأولى من مشروع أكبر، يشتمل على عمليات بحث نشطة ومستمرة، الهدف منها تكوين ملف شامل غني بالأدلة وتقديم صور تاريخية ملتقطة من الجو، أهمها التي صورها أوريل شتاين بين عامي 1938 و1939، بجبل سنجار قبل الهجمات، والحملة التي تعرّضت له، إذ تشير الصور إلى النسق الذي شغل به السكان في تلك الأمكنة، من ضمنها المعابد والمزارات التي تمتاز بهويتها المعمارية الواضحة، والتي تلعب دوراً رئيساً في حياتهم الدينية والاجتماعية، إذ تقوم القباب المخروطيّة التي تتوّج المعابد وتميزها لتعبر عن الشمس المقدسة في معتقداتهم، وتظهر رموز مهمة أخرى بعمائر معابدهم.

مناهج مبتكرة

وقالت لانا إن التعاون مع «فورينسك أركيتكتشر» بالمشروع استخدمت فيه مناهج مبتكرة بالتوثيق والتحليل وإعادة الإعمار الرقمي لتقديم أدلة وبيئات ضمن محاكمات تعقد مستقبلاً، كنمط من الإنقاذ الأركيولوجي الفوتوغرافي، حيث جرى تدريب أعضاء فريق التوثيق في منطقة «بردا» بمدينة دهوك في العراق على تقنيات جمع الأدلة من الأمكنة والفضاءات؛ لتسجيل حجم الدمار اللاحق بها بالبحث والاستقصاء، وتمت متابعة الأعمال التحليلية في استوديو «فورينسك أركيتكتشر» بلندن.

وأضافت: عمدنا في التقنيات المتبعة لتنفيذ الخرائط والنماذج المعروضة إلى إيجاد سُبل غير مكلفة وقابلة للتطبيق؛ لتوثيق المواقع المدمرة، كما تم تدريب أعضاء «يزدا» على دخول المناطق العراقية التي شهدت تلك الحملات، وجمع أدلة وبينات موثقة منها تدعم حقيقة حصول عملية الإبادة التي تحدد طبيعتها مواثيق الأمم المتحدة، لإنتاج وثيقة مفصلة تبيّن الأحوال الراهنة.

سحابة نقطية

وبيّنت لانا أن باحثي «يزدا» وثّقوا الموقع بواسطة صور فوتوغرافية التقطت بطائرات مسيرة «درون»، فضلاً عن «أقمار صناعية محلية» صنعت يدوياً، ثم قامت «فورينسك أركيتكتشر» بتطوير آلاف الصور الملتقطة في المواقع المختلفة وتحويلها إلى نسق «سحابة نقطية» ثلاثية الأبعاد عبر طريقة تعرف بـ«بنيان من الحركة» ضمن تقنية «المسح الفوتوغرافي الجوي» عبر أجهزة كمبيوتر تستمد مقاسات المسافة والحركة فيها ومقارنتها مع مجموعة من الصور الفوتوغرافية، وما ينتج عن ذلك من «سحابة نقطية» تجري موضعته جغرافياً عبر تسجيل معطيات الـ«جي بي إس» على أرض الواقع لنقاط ومواضع محددة في الصورة، وبذلك يتم تحقيق بيئة رقمية تساهم في تمكين الباحثين والمحققين من قياس الأحجام والمسافات بين النقاط والأجسام في النموذج الذي يعيدون إنشاءه.

إعادة إعمار

وأكدت لانا أن إعادة إعمار التراث المادي من أهم القضايا التي تشغل فضاء الفنون المعاصرة عبر توثيقها في أعمال فنية تركيبية ملهمة، مستشهدةً بعام 2017، حيث تم إعادة بناء مزار الشيخ حسن على يد السكان المحليين في منطقتي بعشيقة وبحزاني، حيث جمعت المعطيات ثلاثية الأبعاد لموقع الأنقاض من خلال «المسح الفوتوغرافي الجوي»، ونوهت بأن الأخير بوسعه أن يوجد مرجعاً يمكن اعتماده من قبل الذين يقومون بإعادة هذه المباني في المنطقة، كما من شأنه التوثيق التاريخي للشعوب ولإرثها الثقافي.