استثنائية التنظيم وفقاً لمعايير الموضة العالمية ومنصاتها القائمة على الانضباط، كانت شعار اليوم الثاني لفعاليات فاشون فورورد، حيث رافق الإبهار والتألق كافة التصاميم الزاخرة بالأفكار الخالقة والابتكار، لتصاميم ملابس السهرة الجاهزة التي تحتل مكاناً وسطياً بين مفهوم الأزياء الراقية «الهوت كوتور» والتصاميم التسويقية الأكثر رواجاً «ريدي تو وير»، لم تكن الأناقة المحترفة فقط هي الرابح الأكبر، ولكن كان لحضور كوكبة من أشهر المصممين العالميين والأكثر شعبية بالغ الأثر في إنجاح عروض المنصة المعتقة بالبريق والأقمشة الفاخرة التي صيغت بعناية وجودة عاليتين.
وضمن عروض اليوم الثاني، حيث رسمت مجموعة «الحب يضيء القصص العربية» للمصمم العالمي الفلبيني إزرا سانتوس، صورة سينمائية متصاعدة الأحداث لدرب الأربعين، الذي عرف منذ القدم بالجبل الغربي، إذ كانت القوافل تقطع المسافة من السودان جنوباً إلى وادي النيل مروراً بأسيوط في أربعين ليلة، وصاغت الرومانسية الحالمة أزياء ساحرة تسافر بالنساء العربيات عبر الزمن والمستوحاة من قصيدة للشاعر السوداني الصادق الرضي التي يقول في مطلعها: «في كل ألفية تسافر امرأة على طول درب الأربعين. بزيها المهيب تسير في الطريق ذهاباً وإياباً. قد لا تعود. وفي كل الألفية تبدأ مرة أخرى».

عوالم الإبهار
وفي السياق نجح المصمم المخضرم إزرا سانتوس في مسيرته المهنية التي بدأها من دبي من خلال علامته التجارية وفي جميع تشكيلاته الموسمية في كسب ثقة الجمهور والنقاد بما يطرحه من تصاميم مزجت بين المعاصرة والأفكار والإبداعية شديدة الصلة بروح الموضة وتاريخها عبر العصور، فهو يجيد فن الحكاية وروايتها ضمن نسيج تصاميمه التي ترتدي عوالم الإبهار، لتصنع لنفسها خطاً مختلفاً يراهن على الخيال وقوامه الاختيار الدقيق المتبوع بكثير من القراءات والأبحاث لمقاربة التفاصيل في الألوان والخامات.
السهل الممتنع
وفي مجوعته المستوحاة من أزياء المرأة العربية، والتي ارتكزت حياكتها على قطع نوعية تمثل الطابع السهل الممتنع المعروف عنها والذي يجمع بين الرؤية الفلسفية لفهم المراحل المهمة في تاريخ صناع الموضة، والرؤية الحداثية للموضة المعاصرة التي تميل إلى تكوين تصاميم أشبه بالتحف الفنية والتي لا تعاني النسخ ولا تترنح بين الواقعية وحتمية الجمال العامر بالرمزية والرموز التي تنطلق من خلالها لتمرير قناعته في مجال صناعة الأزياء الراقية «الهوت كوتور» التي طالما أحدثت عروضه صخباً وإعجاباً منقطع النظير.

تفاصيل شرقية
على ضوء القمر والنجوم ومواقعها في السماء سارت 30 عارضة في طيف من الألوان الهادئة والأبيض المعرق بغصون الذهب والفضة، وكانت الأوشحة والبراقع أسطورة نسائية حالمة تجوب الصحراء ومكملة للمشهد العام لفكرة المجموعة التي طرزت الأقمشة بتفاصيل شرقية جمعت ملامح تكويناتها الإثنية عبر ترحالها بطريق درب الأربعين التاريخي، يغلفها الذوق الرفيع الخارق في الدقة والمنهجية للعمل الاحترافي أن هناك دائماً نساءً متطلعات لأن يتألقن مثل الأميرات في المناسبات المهمة، هذا إن لم يكنَّ أميرات من الأساس، لهذا فإن القصص التي تكتبها تكون دائماً شيقة منسوجة بالأساطير وحبكات متقنة تشد الأنفاس وتترك الحضور يتطلع للمزيد.

سحر أنثوي
ولم تخلُ تصاميمه خلال العرض الاستثنائي من النقوش الأنيقة وأقمشة الباروك ذات الأزهار وأقمشة توال دو جوي المعقدة، والتي تظهر السحر الأنثوي. والتعقيد المقصود في بعض أشكال التطريز المعرق بخيوط الذهب والحياكة المبهرة التي يتخللها تمزج الضوء والظلال، لتكشف وتخفي الملامح مع خامات منوعة من الكتان، والتول، والحرير الأورجانزا الذي يبدو وكأنه طبقة ثانية من الجلد. وتكشف الأشكال المتناقضة والأثواب الطويلة المفتوحة على الظهر عن الطابع الساخر الذي يلفه الغموض وتبدو الأمزجة وكأنها تتماوج، من خلال السطوح المغبرة مع تشطيبات معدنية تلفّ الجسد بعناق دافئ بتطريزات ثلاثية الأبعاد تخدع النظر حين تتلاشى ضمن السطوح اللامعة، وتتهادى بسلاسة ضمن ضوابط ضخمة أو زخارف من الأزهار المستوحاة من الطلاء العتيق وصناديق اللؤلؤ.

ثقافة عربية
ومن جانب آخر حملت التصاميم الكثير من الإيحاءات ذات الصلة بالثقافة العربية دون حدود للوقت أو الجغرافيا، ابتداءً من أشكال الزهور والزخارف، ومروراً بالمنسوجات العرقية للقرن التاسع عشر وانتهاءً بأطياف من ألوان الباستيل، بحيث يشكّل التراث جوهر التشكيلة. غير أن ثراء هذه الأساليب العريقة والجماليات التاريخية أُسكن في روح القرن الحادي والعشرين مع الخطوط الصافية والسطوح الملساء التي توحي بحداثة المستقبل، فكانت النتيجة تشكيلة خيالية لرؤى أنثوية تقدر المرأة العربية وتحترم تاريخ زيها عبر العصور، وأصالته، لتصنع إحساسها الخاص المعاصر بالتاريخ وهوية تتفرد بها وحدها، تفرد تقنياتها المتجددة مساحة أكبر لتناغم الأنماط مع بعضها، حيث يتلاشى نمط أمام الآخر أو يمتزج معه بانسيابية. وتقبع الزخارف التقليدية ذات الإيحاءات التاريخية القديمة في خلفية أزيائه مع تأثيرات زخرفية وطبقات من الأقمشة.
