يمتلك المطبخ البرتغالي، وفقاً لما يؤكد الشيف البرتغالي جوزيه أفيليز، في حديثه لـ «البيان»، بصمته الاستثنائية نظراً لتاريخه العريق والمثبت بالوثائق والمخطوطات المحملة بالبهارات الهندية والنباتات العطرية والبذور والأطعمة الشعبية لبلدان شرق أوسطية، التي عبرت المحيطات والسواحل الغربية حيث حملتها أسفار سفن المستكشف فرناندو ماجلان الذي يعد أول من طاف حول العالم، وأول من اجتاز المضيق في أمريكا الجنوبية الذي يربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ، وخلال القرن الخامس عشر أبحر المستكشفون البرتغاليون على طول ساحل أفريقيا.. وأقاموا مراكز تجارية لأنواع عديدة من السلع القابلة للتداول في ذلك الوقت، بدءاً من الذهب للعبيد وذلك في طريقهم إلى الهند وتوابلها، والتي كانت أوروبا تهيم بها دوماً.
وها هو المطبخ البرتغالي بجمالياته ومكوناته، يعود، اليوم، لجذوره الساحلية والشرق أوسطية انطلاقاً من دبي.
مكونات محلية
مثل باقي الطهاة البرتغاليين، يمزج جوزيه بين مشاهد ومنتجات الأرض والبحر في مطعمه وأطباقه، ولا يتخلى عن التقاليد والمنتجات المتوسطية التي تعبق برائحة الشواطئ والجزر، فأطباقه بسيطة وبعيدة عن التعقيد، ولكنها في نفس الوقت متطورة، يطغى عليها طابع المواسم والفصول. وهو يستخدم في إعداد أطباقه في دبي المكونات المحلية البرتغالية الطازجة التي تصل عبر الطائرة فجر كل يوم، قادمة من لشبونة.
ثقافة شعبية
وفى السياق، يؤكد الشيف جوزيه الحاصل على نجوم ميشلان، في حديثه لـ«البيان»، أن رحلة الثقافة البرتغالية الممتزجة بالشرق الأوسط لم تنته ولكنها تعيد البحث عن الجذور والروابط الإنسانية من خلال اكتشاف العديد من الأطباق الملهمة والتي رسخت ونشرت ثقافة الشعب البرتغالي بفضل غنى وتنوع مكوناتها وملامحها ذات الطراز العالمي، ورغم أنها توارت لسنوات تحت سطوة المطبخ الإسباني، عادت مجدداً لتؤكد استقلاليتها ومكانتها المتفردة، معززة ذلك مع انطلاقة نوعية لافتة من مدينة دبي، كما يقول الشيف جوزيه، حيث يتابع: نبدأ في الإسهام الفاعل بهذا التوجه عبر مطعمنا «تاشكا» بمنتجع ماندارين أورينتال جميرا أول سلسلة من مطاعمي خارج البرتغال، وذلك عبر تقديم العديد من المذاقات البرتغالية الأصيلة ذات النكهات الشرق أوسطية والمنتجات مع لمسة عصرية لا مثيل لها.
بعد فلسفي
ويضيف الشيف جوزيه: نشأت بالقرب من المحيط وغابة الصنوبر، في كاسكايس بالبرتغال، وكان لذلك أثر كبير جعل طريقة نظرتي للأشياء تكون بكثير من العمق والبعد الفلسفي، وأدت إلى تنمية علاقاتي بالكتاب والخبراء المحليين لفن الطهو التقليدي، ومن هؤلاء: ماريا دي لورديس موديستو، كما قمت بالعديد من التدريبات المهنية في العديد من المطاعم المختلفة في البرتغال وخارجها، مثل El Bulli لـ Ferran Adrià، واستطعت من خلال تلك التجارب تكوين شخصيتي وتقنياتي ذات البعد التراثي والتاريخي في طبيعة قيمة الأطباق والوصفات البرتغالية على مر العصور.
رموز معاصرة
ويشير جوزيه إلى أنه، وخلال توليه منصب الشيف التنفيذي في مطعم Tavares الرمزي، في لشبونة في عام 2008، بات اكثر اهتماماً بتلك العناصر الثقافية للوصفات في الطهي، التي عبرت أفريقيا والهند وأخذت هويتها البرتغالية الشعبية.
ويتابع: وهو ما حرصت على تقديمه في تلك الفترة، وكانت المفاجأة أن فاز المطعم في 2009 بأول نجمة ميشلان، وفى عام 2011 أصبح الشغف أعمق في تقديم تلك الأطباق ولكن مع منحها صفة عالمية معاصرة متاحة للجميع،لذلك قمت بافتتاح مطعمي الخاص، واليوم امتلك العديد من المطاعم في لشبونة وبورتو، ولكل منها مفهوم مختلف، ولكن كل ذلك يعبر عن شغفي بنكهات موطني.
مذاق البحر
ويقول الشيف جوزيه: تعتمد معظم الأطعمة البرتغالية التقليدية على الأسماك، المأكولات البحرية وعلى اللحوم التي يتم شويها، أو قليها أو طبخها في الأوعية المقاومة للحرارة. وغالبًا ما تُقدم هذه الأطباق مع البطاطس والأرز والسلطات البسيطة. بالإضافة لذلك فإن البرتغال تشتهر أيضًا بالحلويات والمعجنات الغنية. ويعد سمك القداو «باكالا» باللغة البرتغالية أكثر من مجرد طبق تقليدي، بل هو هاجس وطني.
الطبق له لقبه الخاص، «الصديق المخلص»، ويستهلك تقليدياً في عشية عيد الميلاد في البرتغال، في حين أن طبق «اتابلانا دي ماريسكو» هو عبارة عن طبق مأكولات بحرية مطبوخ في مقلاة نحاسية ويقدم مع الأرز أو رقائق البطاطس.
ويضيف: كما يشتهر المطبخ البرتغالي بمأكولاته البحرية التي يتم إعدادها غالباً في أبسط الأساليب؛ حيث يجلب السمك الطازج ويتم شويه مباشرة على النار الخفيفة قبل تناوله مع الليمون وإكليل الجبل. وفي بعض الأحيان يتم استخدام تقنية مختلفة قليلاً. فبعضها يتم تحميصها في الفرن مع الكثير من الثوم وزيت الزيتون.
