أقام النحات والناقد الفني السوري الدكتور محمود شاهين، معرضاً لأعماله في صالة (آرت هاوس) الدمشقيّة، ضم نحو خمسين منحوتة من الحجوم المختلفة، منفذة من مواد وخامات متعددة ومنها: البرونز، الحجر الصناعي، الريزين، جذوع الشجر، والخزف، وتوزعت على لوحات النحت النافر (ريليف) والنحت المجسم (كتلة في فراغ) وشكّلت المرأة (بدلالاتها ورموزها وقيمها المختلفة) موضوعها الرئيس.

فقد جسدت أعمال المعرض، المنظومة القيميّة: الحسيّة، والجماليّة، والرمزيّة النبيلة التي تمثلها المرأة: صانعة الحياة، وصنو الأرض، في احتضانها لها وتجديدها واستمرارها. وللتعبير العميق عن منظومة هذه القيم، قام النحات شاهين، باستخدام لغة واقعيّة تعبيريّة مختزلة، وقطوعات ووضعيات وتكوينات مدروسة للجسد الأنثوي، عكس من خلالها، الحالات الوجدانيّة الدافئة، الشفيفة، والعميقة لهذا الكائن الجميل، المُضحي، الصبور، المُحب، العطوف، المناضل، والوفي، اللصيق بالأرض والوطن والبيت والأسرة. فقد كانت المرأة وما زالت، عبر مراحل التاريخ الإنساني كافةً، الحارسة المقيمة في الوطن، ترعى الأرض والبيت والأولاد، بينما سكن الرجل هاجس الترحال والمغامرة.

ابتكار وتأمل

عن تجربة النحات شاهين قال الفنان إلياس الزيات: واضح أن محمود نحات شكل مرئي، يُحبه في حد ذاته، لكنه لا يأبه بمردوده الزمني، ولا بخاصته الروائيّة، حتى ولا بتركيبه التجريدي. إنه يُحب النحت لأنه عملية ابتكار وتأمل أثناء قيام العمل ونشوئه بين يديه.

ويتوقف من ثمة في اللحظة التي ينتهي عندها الحلم واليقظة في عملية الخلق. لذا فالمنحوتة عند محمود شاهين لا تتحمل التفاصيل، ولا حتى النمنمة، فهو منها براء. كتلة ساكنة، تحكي في صمتها عن عوالم غائبة، ثم كتلة متحركة تُنبئ بعوالم أُخرى آتية. واقعيّة محمود شاهين ليست في مفهومها كلاسيكيّة كما في عصر النهضة الأوروبي، ولا تحذو نمطيّة التجريد. يخطر لي، وبخفر، أن أُطلق على أعمال محمود شاهين (الهلنستيّة المعاصرة). بمعنى أنها جمعت بين مفهوم النحت الأوروبي المعاصر وفنون الشرق القديم الذي يحمله فناننا بوعي أو بالفطرة في جنباته، كوجود حتمي له في هذا البلد، بلد البركات والخير.

ملامسة الأشياء

وقال النحات عبدالله السيد: النحات محمود شاهين بطبيعته كنحات، أقرب الناس إلى ملامسة الأشياء، وإلى الكشف عن عضويتها، عن شخصيتها، عن جوهرها، وهكذا نرى التنوّع في الملمس، والتنوع في عملية الشكل. تنوعاً لا ينتج عن البحث عن أسلوب، وإنما عن صدق الحوار القائم بين النحات والمادة. فالنحات شاهين في أعماله، يُساعد المادة على بيان منطقها الجمالي، ولهذا فإن من الخطأ أن نرى (كما يرى بعض المتفقهين) أن ليس هناك وحدة أسلوبيّة، لأن الأسلوب الذي يتحدث بمنطق واحد مع كل المواد، إنما هو أسلوب ضيق، استبدادي، قسري.

إن أعمال شاهين وحدة شكليّة، وهو أمر واضح، نلحظه في نسبة الكتلة إلى الفراغ، وهذا هو المعيار الحقيقي للتمييز بين اتجاهات النحت ومذاهبه، فإذا أضفنا إلى هذه المعادلة شخصيّة المادة، أدركنا بجلاء كيف يُقسّم النحات، كموسيقي، على هذه الوحدة الشكليّة، مهاراته في توجيه الحركة، ومقدار الضوء، ودرجة التسلسل، وابتداع المفاصل، وهذه المفصليّة هي شهادة الشيء بحنكة صاحبه. إن هذا العالم المُعطى هو العالم الصغير.

أعني بهذا اختيار عناصر العالم الممثل في النتاج كالمرأة مثلاً. من خلال هذه المنطلقات نرى أعمال النحات شاهين، وأن صرامة العقل، وفهم أبجدية ما حولنا، يُؤدي إلى محبته، فإن كان يعوقنا انعدام الماء المُحيي لطموحنا المعرفي، لشوقنا الأبدي، فها هو شاهين ينادينا: أيها العطاش جميعاً هلموا إلى المياه.

المرأة والأرض

يرى السيد أن عاريات النحات محمود شاهين، تتنزه بين سليلات (فينوس) ما بعد مايول النحات الفرنسي، وبين نماذج عشتاريّة قديمة، ينحاز إلى حسيّة الجسد، وجماليات عناصره، ولكنه يُضيف إلى بعض أجزائه فهماً إدراكياً يجعله صريح المضامين والمعاني.

يسافر النحات في جسد المرأة، مستمتعاً باكتشاف تضاريسها الأرضيّة، بل لكأني به قد وحّد بين المرأة والأرض، فرآها هضاباً وتلالاً، منعرجاً أو حنية، يفك أسرار جسدها، ثم يُعيد تكوينها وفق الحالة التي تتلبس الأصابع، وتيارات الإحساس التي تمر بها. ومن هنا هذا الغنى والتنوّع في ملامس الأعمال، ووضوح التبنين.

يُؤكد النحات على الكتلة، ويحاول استبعاد الفراغ، ما يمنح أشكاله صمتاً وجودياً، وحضوراً متميزاً. لغة لا يتواصل معها إلا عبر التأني والتأمل. يعتمد الحركة الداخليّة للشكل، ويزدري الحركة الخارجيّة وضوضاءها، ما يُهيئ له بحثاً معمقاً في تنويعات هذه الحركة وإيقاعاتها البنيويّة، ويجعل من سطوحها دنياً، تستضيف النور بكل سخاء ورحابة.