التأثر والتأثير موجودان في الفن منذ نشأته، وهو ما تبرهن عليه سلسلة كبيرة من الأعمال الفنية الشهيرة، التي تعرف باسم «وجوه الفيوم».

حيث تم اكتشافها في مدينة الفيوم المصرية، التي تقع جنوب الدلتا، ويصل عدد اللوحات التي تضمها نحو 1000 لوحة، وتتميز بأنها تعكس تأثر الفن الفرعوني بتلك الفترة بالفن الروماني، ومن بين هذه الصور لوحة «الرجل صاحب القدح»، التي تعد واحدة من بين أعمال المجموعة الدائمة في متحف اللوفر أبوظبي.

تبادل حضاري

قالت عفراء حمد الجنيبي، مساعد أمين متحف بقسم الآثار في متحف اللوفر أبوظبي: يطل علينا هذا الرجل المجهول الهوية بنظرة أخّاذة، تبدو ملامحه مألوفة للغاية بتقاسيم وجهه الحادة وعينيه العسليتين الواسعتين فتشعر بالأُلْفَة وكأنك تعرفه شخصياً.

لوحات الفيوم

وأضافت: يعرف هذا النوع من الصور الشخصية الجنائزية بلوحات الفيوم إلا أن هذه اللوحة نظراً إلى شكلها، تعود إلى «أنطينوبولس» المدينة الرومانية القديمة التي أسسها الإمبراطور هادريان عام 132 ميلادي شرق نهر النيل. وأوضحت: تم إنتاج هذه الصور خلال فترة حياة المتوفى ومن ثم تم تقطيعها لتثبيتها على المومياء بدلاً من الأقنعة الجنائزية التي كانت تستخدم في عصر الفراعنة.

وأضافت الجينبي: تعد هذه اللوحات مزيجاً فنياً رائعاً نتج عن التبادل الحضاري والديني والفني الذي حدث إبان احتلال مصر وإلحاقها بالإمبراطورية الرومانية عام 30 قبل الميلاد، الذي استمر حتى فترة متأخرة.

وتابعت: أدى هذا الاندماج بين الحضارتين إلى إنتاج هذا النوع الجديد من الصور الجنائزية، التي تجمع بين طقوس التحنيط المصرية والفن الروماني على الرغم من اختلاف الطقوس الجنائزية بين الثقافتين. وفسرت: إذ عكف الروم على حرق جثث موتاهم، بينما تمسك المصريون بشعائر الدفن القديمة والتحنيط.

أيقونة فنية

تمثل صورة «الرجل صاحب القدح» وجه رجل بقيت ملامحه حاضرة إلى الآن، مع العلم بأنها تعود إلى ما قبل 225 إلى 250م، ويعد هذا العمل أيقونة فنية، ويجسد أول فن تصويري واقعي لوجه الإنسان ومثالاً للوحات الجنائزية المصرية التي كانت توضع على وجه المتوفى بعد تحنيط جسده، لتتعرف الروح إلى جسد صاحبها بحسب الاعتقاد السائد في ذلك الحين.

وتعتبر هذه اللوحة واحدة من اللوحات الجنائزية، الواقعية للشخصيات التي رسمت على توابيت «مومياوات» مصرية خلال الوجود الروماني في مصر، وتم فيها الرسم والطلاء على لوحات خشبية بشكل كلاسيكي، ما جعل هذه السلسلة من أجمل الرسوم في فن الرسم الكلاسيكي العالمي، ويظهر هذا بوضوح في تفاصيل اللوحات والتعابير البادية على الوجوه بوضوح، وفي الملابس وغير ذلك من التفاصيل.

تميز

من أهم ما يميز لوحة «الرجل صاحب القدح» والسلسلة كلها المعنونة بـ«وجوه الفيوم» بأنها ما زالت تحتفظ بحالتها الجيدة.