«الاعتزال» كلمة فضفاضة، تحمل بين ثناياها معاني كثيرة، ولكنها في الآونة الأخيرة، بدت أشبه بـ«موضة» بعد أن كثرت إطلالتها في أحاديث الفنانين ونجوم الساحة الفنية المحلية والعربية، بعض أولئك النجوم اتخذ قراره بالفعل وأعلن اعتزاله تماماً من دون رجعة، فيما كشف آخرون عن نيتهم سلوك هذا الطريق، ولكن من دون تحديد وقت محدد لذلك، لتظل أسباب اتخاذ هذا القرار معلقة بطبيعة ما تشهده الساحة الفنية من تذبذبات وحالة صعود وهبوط، وهو ما يجعل من قرار الاعتزال أشبه بعاصفة احتجاج في الوسط الفني، في وقت يتخذه البعض وسيلة لقياس ردات فعل الجمهور إزاء قراراتهم.

على الساحة الفنية المحلية، بدا قرار الاعتزال بالنسبة لبعض الفنانين، طريقة لوضع الإصبع على مواطن الخلل، كما فعلت الفنانة سميرة أحمد، التي أعلنت اعتزالها، ليشكل ذلك خسارة فادحة للساحة الفنية الإماراتية، حيث برَّرت سميرة أحمد خطوتها هذه بـ«عدم قدرتها على الصبر، وإصابتها بحالة حادة من الإحباط والتعب، ومعاناتها من تجاهل المؤسسات الإعلامية لمجمل ما قدمته من أعمال درامية». سميرة لم تتراجع عن قرارها حتى اللحظة، ليبدو أنه جاء عن «قناعة تامة، وتفكير ملي»، وليس مجرد عاصفة فنية لإثارة الاهتمام.

الأمر كذلك انسحب على الفنانة هيفاء حسين التي رفعت العام الماضي شعار «الاعتزال»، ولكنها سرعان ما تراجعت عن قرارها، ليصب في خانة «تسجيل المواقف». أما الفنان حبيب غلوم، فقد كان أحد أولئك الذين راودتهم فكرة الاعتزال، كما صرح مطلع العام الجاري، عازياً ذلك إلى تراجع الأوضاع الفنية، ولكن غلوم لم يمض حتى الآن في قراره، ولا يزال مثابراً في عطائه الفني حتى اللحظة.

استراحة محارب

على الساحة العربية، كانت الفنانة اللبنانية أليسا آخر من سلك هذا الطريق، بعد إعلانها الشهر الماضي، اعتزالها الغناء رغم أنها لا تزال في وهج نجوميتها، ذلك القرار شكل صدمة لجمهورها. أليسا لم تكشف حقيقة الدوافع التي أجبرتها على هذا الإعلان، مكتفية بتشبيه الساحة الموسيقية بـ«المافيا»، تاركة بذلك الجمهور في حالة حيرة وتساؤل حول إن كانت الأيام المقبلة ستشهد تراجعها عن قرارها أم سيظل صامداً.

ولم تكن أليسا النجمة العربية الوحيدة التي سلكت هذا الطريق، فقد سبقتها إلى ذلك زميلتها المصرية شيرين عبد الوهاب التي بدا قرار الاعتزال بالنسبة لها، أشبه بـ «استراحة محارب»، بعد أن واجهت في سنواتها الأخيرة، مجموعة من الإشكاليات والأزمات التي وضعتها في مواجهة المحاكم، لتعود مجدداً إلى الغناء بعد تمكنها من تجاوز أزماتها، الأمر الذي أثبت أن قرارها بالاعتزال لم يكن قادراً على الصمود طويلاً.

ولم يكد الموسم الدرامي الرمضاني الماضي يقفل أبوابه، حتى أطل الفنان السوري عابد فهد على الملأ ليعلن هو الآخر أنه «أصبح قريباً من الاعتزال». فهد قال إنه «أصبح يشعر بملل من الدراما التلفزيونية، وذلك ربما يكون نتيجة الإرهاق أو التراكم»، معتبراً أن صناعة الدراما التلفزيونية تحتاج إلى إعادة نظر، لا سيما وأن ظروف الإنتاج لم تعد تليق بالمستوى الذي يقدمه الفنانون والفنيون على حد سواء.

الظروف التي تحدث عنها فهد، لم تكن ذاتها التي صادفت مواطنته أمل عرفة التي أعلنت هي الأخرى قبل أشهر اعتزالها الحياة الفنية، ليبدو أن قرارها كان «انفعالياً»، ونتيجة مباشرة لكمِّ النقد الذي تعرضت له عرفة في مسلسل «سايكو» الذي لم يلق نجاحاً ملحوظاً، حيث بدا قرارها بحثاً عن «فترة استراحة» تمكنها من «لملمة» أوراقها وإعادة ترتيبها مجدداً.

شهرة ومعرفة

في حديثه مع «البيان» أشار المخرج والممثل عبد الله الجنيبي، إلى أن قرار الاعتزال يشبه «الموت» للفنان. وقال: «أعتقد أن اتخاذ أي فنان قرار الاعتزال لا يأتي إلا بعد شعوره باليأس الشديد مما تشهده الساحة الفنية، وعدم قدرته على إحداث التغيير الذي يبحث عنه».

وأضاف: «بتقديري أن اعتزال أي فنان مهما كان حجمه، وعظم اسمه، هو خسارة للمجال الفني بشكل عام، لأننا بذلك نخسر طاقة وموهبة قد لا نتمكن من تعويضها مستقبلاً، فضلاً عن كونه أشبه بـ(صرخة استنجاد) موجهة للجهات المعنية لإنقاذ هذه الصناعة من التدهور»، مبيناً أن بعض الفنانين يسلكون هذا الطريق، بحثاً عن الشهرة ولمعرفة ردة فعل الجمهور، فيما البعض الآخر يتخذونه عن قناعة تامة.

وقال: «شهدنا خلال الفترة الماضية إعلان الكثير من الفنانين قرار اعتزالهم، البعض قام بذلك عن قناعة تامة، بينما تراجع البعض الآخر، وهو ما يثير التساؤل عن سبب قيامهم بذلك»، مشيراً إلى أن قرار الاعتزال يظل في النهاية دليلاً على أن الساحة الفنية تعيش أزمة ما، أو أن الفنان نفسه يمر بأزمة خانقة أجبرته على اتخاذ هذا القرار الصعب.

في حين أن الإعلامي والفنان المسرحي إبراهيم استادي أرجع سبب جنوح بعض الفنانين إلى الاعتزال، إلى قسمين، حيث قال: «في الواقع إن الساحة الفنية تشهد نوعين من الفنانين، نوع ينجح في تحقيق القبول لدى الجمهور، وتأتيه الفرص على طبق من ذهب، فيما لا يتمكن النوع الآخر من تحقيق ذلك، الأمر الذي يقودهم إلى الشعور باليأس، وبالتالي اتخاذهم قرار الاعتزال، بسبب عدم قدرتهم على مواصلة المشوار والعمل في هذا المجال الذي يعد صعباً».

وبيّن استادي أن قرار الاعتزال يأتي أحياناً بعد تبني الفنان لأفكار جديدة تسهم في تضيق الفن في عيونهم، لدرجة يرون معها وجود تعارض بين إيمانهم وفنهم«. وتابع:«في تقديري أن أي فنان يقرر الاعتزال أو مغادرة الساحة الفنية، بسبب اعتناقه لتيارات فكرية مختلفة، عادة ما يعود إلى المجال بعد مرور زمن، حيث يكتشف حينها أن الخلل ليس في المجال الفني نفسه، وإنما في شخصه، وهو ما يدعونا إلى ضرورة موازنة الأمور».

ونوه استادي إلى أن كافة أولئك الذين يفشلون في تحقيق النجاح على الساحة الفنية، يعمدون إلى ترديد مقولة«الفن يعاني من الشللية». وقال:«لا أعتقد أن المجال الفني يعاني من الشللية، وإنما الفكرة تكمن في عدم قدرة الفنان على الاندماج أو التأقلم مع فرقة معينة».