الشعر الشعبي يثري القالب الغنائي

القصيدة والأغنية.. أخوّة اللحن والمعنى

صورة

الأغنية والقصيدة تقفان على قمتين متوازيتين. من هنا الفن والموسيقى، ومن هناك الأدب ومنه الشعر على وجه التحديد؛ والعلاقة بينهما ليست ملزمة، ولا قسرية، فالأغنية تعيش غالباً على نصوصها الخاصة، التي تكتب خصيصاً لها، وتراعي إيقاعاتها، وشروطها.

تماماً كما أن القصيدة تعيش خارج الأغنية، وبمعزل عنها. ولكن يحدث كثيراً أن تلتقي هاتان القمتان: الأغنية والقصيدة، وتتشاركان الجسد والروح.

البعض يرى أن اللحن الغنائي لا يكتمل دون قصيدة شعرية تخلق له روحاً أخرى، وتجعله أكثر رسوخاً في ذهن المتلقي، وقادراً على السكن في ذاكرته. فيما يرى آخرون أن القصيدة النبطية، والشعر عموماً، أفاد من الأغنية، التي أمنت للقصيدة والشعر انتشاراً يتجاوز صفحات الدواوين الشعرية وزوايا الصحف والمجلات.

وفي سياق مشابه، يرى رأي ثالث أن النص الشعري، بوزنه وقافيته، هو بحد ذاته لحن يضاف إلى اللحن. قضايا كثيرة تثيرها علاقة القصيدة بالأغنية، ولكن كيف هو الحال مع القصيدة النبطية في الإمارات وما هو تأثيرها على الذائقة الفنية، وكيف هي علاقتها بالغناء المحلي.. طرحنا هذه التساؤلات على عدد من المتخصصين في اللحن والشعر ليصفوا من خلال آرائهم العلاقة بين القصيدة والأغنية في أخوة اللحن وجيرة الموسيقى والمعنى.

الإنشاد

محمد البريكي، مدير بيت الشعر في الشارقة، يقول: «بدأ الشعر العربي عموماً بالإنشاد، ولذلك فالعرب كانوا يقولون «أنشدنا شعراً» كذلك فإن للموسيقى الناتجة عن التفاعيل والبحور التي تعتبر هي العمود الفقري للقصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، أثرا في اقتراب الناس من الشعر، والموسيقى في الشعر النبطي هي ذات الموسيقى في الشعر العربي، ومن هنا تتبين أهمية الغناء في الشعر.

ولم يكن الشعر النبطي في بداية نهضته الحديثة في دولة الإمارات العربية المتحدة مقتصراً على الشعر المقروء، فقد سبقه الغناء سواء عبر الفنون والبحور التي يتغنى بها الشعراء كالونة والتغرودة، أو من خلال غناء بعض الشعراء لقصائدهم بأصواتهم بعيداً عن الآلات، ولذلك فمن الطبيعي أن يتطور الأمر وتتشكل رؤية جديدة للأغنية».

ويضيف البريكي: «لقد ساهمت الأغنية الإماراتية، على أيدي فنانين كبار أمثال علي بن روغة وجابر جاسم وميحد حمد وعبدالله حميد وغيرهم، في إيصال الكلمة إلى شريحة أكبر من الجمهور، ثم قام بعض شعراء الإمارات بالتعاون مع مطربين إماراتيين وخليجيين، وهو ما ساهم في خروج الكلمة الإماراتية من نطاق المحلية إلى الخليجية والعربية، وبدأ الجمهور العربي يتعرف على الكلمة والشاعر الإماراتي، ما فتح مجالاً أوسع للباحثين الذين يحبون التعرف على الكلمة والشاعر، وفتح مجالاً أوسع للتواصل الشعري».

انسجام

وبدوره، أكد الملحن خالد ناصر أن العلاقة بين الشعر النبطي في الإمارات والقصائد المغناة حالياً، علاقة انسجام جميلة، وإن كانت بعض القصائد المغناة اتجهت إلى سهولة اللغة أو اللهجة لكي تتوافق مع الأنماط اللحنية الحالية وتواكب العصر، حيث يعتبر الشعر النبطي من الفنون الأدبية الشعبية المنتشرة في الخليج العربي ويخاطب بها الشاعر أفراد مجتمعه وذلك باستخدامه اللهجة العامية، لذا عندما كانت تغنى على طرق لحنية معينة قديماً كان يصل مفهوم القصيدة تلقائياً إلى المتلقي، وكانت أغلب القصائد تشير إلى مفهوم أو موضوع معين يريد الشاعر إيصاله.

وفيما يتعلق بإثراء هذا النوع من الشعر للذائقة الفنية، يضيف خالد ناصر «عند تطور الحركة الموسيقية في الخليج بشكل عام، والإمارات بشكل خاص، كانت أقوى الفنون الأدبية المنتشرة في مجتمعنا هي الشعر النبطي، ومع هذا التطور أصبح إيصال مفهوم أو مغزى القصيدة بشكل أسهل وأسرع وأقوى، وأيضاً مع التطور الموسيقي أصبح الشعر النبطي منتشراً بشكل أكبر بين أفراد المجتمع.. وأكبر دليل على ذلك تجربتي مع قصائد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي تحتوي على مفاهيم ومفردات غزيرة وصور شعرية بديعة، حيث عملت على خَلق قوالب وأفكار لحنية جديدة تتماشى مع عمق وقوة القصائد كل حسب محتواه، فتمت عملية مزج جميلة بين الموسيقى الحديثة وعمق القصيدة النبطية، فأصبحت وما زالت تُردد وتغنى إلى الآن من قبل الجميع، فلذا كلما كانت الجمل اللحنية جميلة وتتماشى مع القصيدة، يصبح لدى المتلقي تعلق بالمفردة وبالشعر النبطي.

موسيقى

ومن جهتها، قالت المؤلفة الموسيقية إيمان الهاشمي: يحمل الشعر بحد ذاته في طياته موسيقى خاصة به، سواء كان نبطياً أم بالفصحى أم بأي لغة أخرى، ولكن الفرق أن لكل نوع نغمة معينة تميزه، حتى يستطيع المستمع تمييزه من خلال هذه النغمة وربما قبل تحديد ماهية الكلمة أساساً، أما القصائد المغناة فهي إضافة لحن يراه الملحن مناسباً للكلمات أي كما يدندنها المؤلف الموسيقي، وبالتالي تتحول القصيدة من نمطها العادي إلى قصيدة مغناة بأسلوبٍ مختلف.

وأضافت: «الفن لا حدود له، والإبداع أساس الفن، وبالتالي من الطبيعي حين يجتمعان أن ينتج عملاً فنياً إبداعياً بلا حدود، مع التنويه بأن شعراء الإمارات والخليج العربي بصفة خاصة يتمتعون بروح العروبة الأصيلة، ويطغى عليهم الطابع الصحراوي الذي يؤثر على مشاعرهم وأساليبهم في كتابة الشعر بذكاء وفطنة ودهاء رهيب، وهذا أهم عامل جغرافي وبيئي إيجابي جاء في صالح سكان منطقة الخليج، وبالنسبة للإبداع فأنا أراه ينضج بحرارة التجارب ويتطور أثناء تقوية الذات على الاستمرار في خوض الحياة».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات