لا يجد زوار مدينة أصيلة شمالي المغرب صعوبة في التعرف إليها، سيكون عليهم فقط القيام برحلة على الأقدام لاكتشاف معالم مدينة صغيرة بمساحتها، لكنها غنية بتاريخها وثقافة نخبتها، وطيبة ساكنيها، الذين أيقنوا مدى تأثير الثقافة والفنون في تنمية مدينتهم وتطورها عاماً بعد عام. هذه المدينة التي تغيرت أحوالها بشكل جليّ، بفضل جهود المجلس البلدي ومؤسسة المنتدى، في تحقيق نهضتها السياحية والعمرانية والتنموية، كرمت المبدعين الذين قصدوها على مدى مواسمها السنوية الماضية، خلال حياتهم وخلّدت أثرهم وذكراهم بعد الغياب، حيث بادرت مؤسسة منتدى أصيلة، إلى لمسة وفاء بالتعاون مع بلدية المدينة، بإطلاق أسماء شعراء وأدباء مُلهمين حلوا في رحابها، على سبع حدائق عامة من بين أجمل فضاءات المدينة تتوسطها نصب تذكارية دُوّنت عليها سيرة كل منهم، مرفقة بجمل أدبية وفكرية، لتذكّر سكانها وزوارها بالأثر المهم الذي تركه هؤلاء المبدعون في الثقافتين العربية والعالمية والحضارة الإنسانية.

جولة لاقتفاء آثارهم

حين يقصد زائر أصيلة حدائقها وأزقتها وساحاتها و«زنقاتها»، التي أطلق عليها أسماء أعلام في التاريخ من فلاسفة وشعراء وأدباء ومفكرين، سيلمح أطيافهم في تلك الأمكنة.قبل أن يعبر المرء مدخل المنطقة القديمة من حي باب القصبة المجاور لكورنيش المدينة، يلمح إلى يمينه لوحة رخامية تذكارية للشاعر العراقي بلند الحيدري (1926- 1996)، حيث خصصت مساحة لذكراه محاطة بشتلات الزهور والورود، وتتوسطها أشجار ليمون ونخلة تسكنها العصافير صبحاً ومساءً، وقد نقش على نصبه التذكاري، مقطع من إحدى قصائده كأنه يتوجه به إلى أصيلة: «انتظري يا نجمة فجري.. ها أنا ذا آتٍ من آخر ما تحمل مرآتي من ذكرى».

أوتامسي.. جائزة وحديقة

بضعة أمتار فقط، تفصل روضة بلند الحيدري عن «حديقة تشيكايا أوتامسي» (1931-1988)، التي سُمّيت احتفاءً بذكرى الشاعر الكونغولي جيرالد فيليكس تشيكايا أوتامسي، الذي يسمونه صديق أصيلة، وظل منذ قدومه للمرة الأولى إلى المدينة سنة 1981، مواكباً لموسمها الثقافي حتى رحيله، بينما أعلن سنة 1989، عن أول نسخة من جائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الإفريقي، والتي تمنح مرة كل ثلاث سنوات ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي، وتبلغ قيمتها المالية 10 آلاف دولار.

 ولد الشاعر في مدينة مبيلي بجمهورية الكونغو برازافيل، وغادر وطنه الكونغو الديموقراطية، إلى فرنسا للدراسة وهو ابن 15 سنة، ثم عاد إليها كصحافي وشاعر سنة 1960، ليقف إلى جانب الزعيم التحرري باتريس لومومبا، وتضاعفت دوافعه التحررية بعد اغتيال لومومبا سنة 1961 .

 

خلال حفل الدورة العاشرة لجائزته، قال عنه محمد بن عيسى: «أتذكره كيف انتقل من محطة القطار إلى المدينة عبر «كارو» (عربة بحصان)، ونام ليلته الأولى على أرضية قصر الثقافة، الذي كان خرابة، وعندما كان يضطر لشرب الماء من البئر.. إن تشيكايا رائد من رواد أصيلة، إنه ذاكرة الوفاء والانتماء».

وبالقرب من ساحة محمد الخامس، في قلب أصيلة، حيث أقيم المجسم الفني «سوانح»، مساحة خضراء واسعة تغطيها أشجار الزيتون والنخيل وصنوف من النباتات المزهرة تحمل اسم المفكر والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935 – 2010 ) الذي رحل بعد أن أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات، والساحة الفكرية بعطاء غزير منذ ستينيات القرن الماضي.

 

أما محمود درويش (1941- 2008) الشاعر الفلسطيني الغني عن التعريف، والذي ذاع صيته عالمياً، كشاعر للقضية والوطن والإنسان، فقد احتلت حديقة باسمه مكان القلب من جغرافية المدينة، وفي وسط مساحة خضراء، وضع نصب تذكاري، حفرت عليه نبذة عن الشاعر، ومقاطع من قصائد شهيرة له، مثل: «يطير الحمام». وبجوار مكتبة الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود، توجد حديقة أُطلق عليها اسم محمد عزيز الحبابي تكريماً لهذا المفكر المغربي الراحل محمد عزيز الحبابي (1922- 1993)، وهو فيلسوف وروائي وشاعر، كتب باللغتين العربية والفرنسية. ركّز الحبابي في مؤلفاته الفلسفية هي محور الاتحاد الفكري الإنساني للعالمين العربي والإسلامي من جهة والغربي من جهة أخرى. كما ألّف في الشعر والخيال وتداول قضايا كثيرة في الفلسفة والأدب.

وبجانب فندق «زيليس» أحد أقدم فنادق المدينة، الذي تحمل إحدى غرفه اسم الروائي السوداني الراحل الطيب صالح (1929 - 2009)، توجد حديقة أطلق عليها اسم صاحب "موسم الهجرة إلى الشمال" الذي أقام في أصيلة عام 1981.

 

أصيلة كرمت أبناءها المبدعين أيضاً، وقدمت لهم الوفاء في مسقط رأسهم، حيث وضعت في حديقة أحمد عبد السلام البقالي لوحة تذكارية تحكي ملخصاً عن سيرة ابن المدينة الشاعر والكاتب الذي توفي يوم 30 يوليو 2010 عن 78 سنة، ومن مؤلفاته في مجال أدب الطفل: رواية «الأمير والغراب» و«زياد ولصوص البحر» و«سر المجلد الغامض»، و«المدخل السري إلى كهف الحمام» و«صابر .. المغفل الماكر»، كما أصدر الراحل أعمالاً شعرية هي «أيامنا الخضراء» إلى جانب ثلاثة دواوين للأطفال هي «أناشيد وأغاريد»، و«نار المخيم»، و«لن تقف المسيرة»، ومسرحية شعرية بعنوان «مصرع الخلخالي».

استثمار في الثقافة

أصيلة التي استثمرت في الإبداع كانت تراهن على أحلام أبنائها وطموحاتهم من أجل غد أفضل، وهذا ما تجلى بإطلاق موسمها الثقافي الدولي في العام 1978، كرؤية ثاقبة قامت بها مؤسسة منتدى أصيلة، نهضت بالمدينة سياحياً واقتصادياً وتنموياً، وهاهي ماضية في مشروعها الثقافي واحتضان ضيوفها المبدعين من شتى بقاع المعمورة، ليقدموا إبداعاتهم الأدبية والفكرية والموسيقية في قاعاتها، ولينشروا لمساتهم الفنية وألوان مخيلاتهم في ساحاتها وأزقتها وعلى جدرانها العتيقة.

 

محمد بن عيسى: نأمل إطلاق اسم أحد أعلام الإمارات على ساحة أو حديقة

هذه المبادرة التي كان لها الأثر الكبير في قلوب أهل المدينة وزائريها، تحدث عن دلالاتها محمد بن عيسى وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي الأسبق، والأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة ورئيس المجلس البلدي في المدينة بالقول: «لم يكن لدينا القدرة على رد الجميل لهؤلاء المفكرين والشعراء والمبدعين الكبار الذين شاركونا بإبداعاتهم في موسم أصيلة، فنحن جمعية غير حكومية ذات نفع عام، نستمر في أنشطتنا بدعم من الدولة المغربية ورجال العطاء المحبين للفكر والثقافة في هيئات وجمعيات ومؤسسات محلية وعربية، ولذلك كرمنا عدداً من ضيوفنا الكبار بإطلاق أسمائهم على سبع حدائق، وهم: الشعراء محمود درويش(فلسطين)، وبلند الحيدري (العراق)، وتشيكايا أوتامسي (الكونغو برازافيل) والمفكران محمد عابد الجابري، ومحمد عزيز الحبابي، والكاتب أحمد عبد السلام البقالي (المغرب)، والروائي الطيب صالح (السودان)، كما أطلقنا أسماء فنانين على ساحات وشوارع.. ونحن نأمل أن نطلق اسم أحد أعلام الإمارات في الشعر والأدب والفكر على حديقة أو شارع بمدينة أصيلة في المقبل من الأيام».

 

وأوضح بن عيسى قائلاً: إن المغزى من تسمية جميع أحياء أصيلة بأسماء أدباء، وعلماء من أمثال ابن خلدون وابن سينا والمتنبي هو التفاتة وفاء لهؤلاء الرواد الأوائل الذين ساهموا في مواصلة هذا المشروع الثقافي في أصيلة أو الذين شاركوا بأعمالهم، ومن ناحية ثانية، هي التفاتة تربوية نحو الناشئة ليقدروا من سبقوهم، وينهلوا من إرثهم الإبداعي، وما قدموه من كتابات في قطاعاتهم المختلفة.

وأشار بن عيسى إلى أنه من ثمار ذلك، تم تأسيس جمعية الأصيل التي كانت تحتفي كل شهر في إحدى الحدائق أو الساحات، التي يلتقي فيها الشباب، وهم طلاب يبحثون عن هذا المبدع الذي تحمل اسمه الحديقة أو الساحة، ويمضون وقتاً طويلاً يتحدثون ويناقشون أعماله وإبداعاته.