حرص الأرشيف الوطني، وتجسيداً لدوره بتوثيق التاريخ الشفاهي لدولة الإمارات وتراثها المعنوي عن طريق الروايات الشفاهية وما تناقلته ذاكرة المعمرين والمخضرمين وشهود العصر، على توثيق رحلات «المقيظ» التي ما زالت مجرياتها محفورة في ذاكرة الإماراتيين.

مقابلات

وفي مقابلة مع الراوية رفيعة الخميري من أبوظبي، قالت: كنا في فصل الشتاء نبقى في المدينة؛ ولكن عندما يحل الصيف، كنت أذهب مع أهلي إلى رؤوس جبال رأس الخيمة بحثاً عن البرودة والنسيم اللطيف، وكنا نتجَّه إليها عبر البحر؛ فقد كانت أسرتي تملك مركباً كبير الحجم «جالبوت». وبعد وفاة أحد أجدادي أصبحنا نقضي فصل الصيف في العين، إذ كان لوالدي منزلٌ فيها قرب مسجد الشيخة سلامة بنت بطي، (منطقة السوق حالياً).

ويتذكر الراوي الشاعر سالم المهيري من العين، «المقيظ»، فيقول: كنا نقضي فترة الأصفري (الخريف)، وكان أهلنا يخرجون إلى البر لقضاء فترة «القيظ» أول ما «تبشر» النخيل، ويكون أول منتوج لها، ويسمونها «البشارة»، فيبدأ الناس بالذهاب إلى «المقايظ» القريبة من النخيل، ويسعون للسكن بقرب ماء الأفلاج، ويأكلون من ثمار النخيل.

ويقول الراوي سعيد المنصوري من مدينة زايد في الظفرة: كنا «نقيظ» في الحمرا التابعة لأبوظبي، وكانوا يذهبون على ظهور الإبل ليقيظوا في ليوا، وفي «البراد» يذهبون باتجاه الختم، وإلى الطف شمالاً، ويأكلون من التمور، وعندما يحلّ البرد يذهب الرجل، ويحمل حطباً من الطف، حمولة بعيرين أو ثلاثة، و«يحدر» (يدخل) أبوظبي، ويبيعه ويشتري بثمنه مؤونة تكفيه مدة ثلاثة أو أربعة أشهر.

ومن دبي يتحدث الراوي حمدان الشامسي عن «القيظ» قائلاً: كنا نذهب إلى عُمَان جهة الظاهرة، أو نبقى في دبي. وكانت بيوتنا من سعف النخل، والقليل من البيوت كانت من الطين. ويقول الراوي حمدان القوازية من رأس الخيمة: كنا «نشتي» (نقضي الشتاء) في طرف الرملة، لكن «نقيظ» قرب النخيل، وكان بيت «القيظ» العريش (مصنوع من سعف النخيل)، وكنا نعتمد على زراعة النخيل للحصول على الرطب الذي نأخذه إلى دبي لكي نبيعه.

موسم الغوص

وفي كتاب «ذاكرتهم تاريخنا» الصادر عن الأرشيف الوطني، يتذكر سعيد لوتاه من دبي رحلات «المقيظ» فيقول: «كان موسم الغوص يستغرق قرابة أربعة أشهر، وكان مصدراً رئيساً للرزق، وكانت النساء يحضرن (والحضارة: موسم جني الرطب) إلى الباطنة وعُمان وشرق رأس الخيمة وشعم، إذ كن يذهبن فترة غياب الرجال إلى الواحات والمناطق الزراعية لجني الرطب وتخزين التمور». وغالباً ما تتكفل النساء بالتحضير لرحلة المقيظ، وترتيباتها بسبب غياب معظم الرجال وانشغالهم في التحضير لموسم الغوص، وتتفق النساء مع «الكري»، وفي بعض المناطق تضطر بعض العائلات إلى السفر بواسطة السفن الشراعية بدلاً عن قوافل الإبل، بسبب كثرة المواد والمؤن والهدايا التي يحملونها معهم في رحلة العودة من المقيظ.

ويوثق الكتاب رحلات المقيظ ما قالته الدكتورة عائشة بن سيّار من الشارقة: «في «المقيظ» كنا ننتقل إلى رأس الخيمة حيث الجو أقل حرارة، والماء أكثر، ومزارع النخل واللوز، والليمون وبعض الخضراوات. وبعد ذلك كان الناس ينتقلون في سيارات «لاندروفر»، وكثيراً ما كانت تتعطل فيحركونها بقضيب حديدي يسمى الـ«هَنْدَلْ»، وكانوا يسيرون حين جزْر الماء بمحاذاة السيف (الساحل) بعيداً عن الرمال؛ حتى لا تغرز (تعلق) فيها السيارات».

كتاب

كما وثق الكتاب ذكريات عبيد آل علي الذي قال: «في الصيف تذهب النساء إلى المزارع، والرجال إلى الغوص، فيأخذ الغيص «القواضة»، يتقاسمها الرجل مع أسرته فيعطيهم ما يشترون به حاجاتهم من المأكل والملبس، ويأتيهم بدوي فيسترزق منها عندما يتعاقدون معه فيدفعون له منها مقابل الجِمال التي تقلهم ومتاعهم إلى عُمان أو ليوا، ويحصل صاحب المزرعة التي يقصدونها على نصيب منه أيضاً، ففي حين يحضر المسافرون أمتعة ومأكولات يكون لدى صاحب المزرعة الرطب والحمضيات والهمبا (المانجو) وغيرها».

ويقول الراوي سلطان الخاطري من رأس الخيمة في كتاب «ذاكرتهم تاريخنا»: «كنا نتردد إلى الواحات والمزارع في منطقة الذيد وأذن، وما حولهما، فنجني الرطب ثم نخزنه عندما يصبح تمراً».

تبادل أدوار

وتعد واحات العين الخضراء من أشهر مقايظ الإمارات قديماً؛ ما جعل القوافل تيمم شطرها، وتحمل ذكريات الراوي راشد الظاهري، مشاهد تؤكد أن العين كانت مأهولة؛ إذ إن الناس يفضلون العيش قرب المزارع والنخيل، وكان نصف البدو يقضون الصيف فيها، ويتبادلون الأدوار، فمن كان يقضي الصيف بالبر وبحاجة لمن يعتني بحلاله فإنه يتركه في عهدة الآخرين لرعايته لثلاثة أشهر، ويتقاضون «البهانس» (مبلغ نقدي زهيد) وبقدوم الأصفري وانتهاء موسم جني الرطب يستخدم ذلك المبلغ لسد حاجاتهم الضرورية وتوفير المؤونة.