قد تحتاج إلى 8 سنوات تقريباً ليتسنى لك إتمام جولتك في متحف «أرميتاج» الضخم بمدينة سانت بطرسبورغ الروسية، وذلك إذا منحت دقيقة واحدة فقط لمشاهدة كل معروضاته، وعليه، يجب أن تمتلك الوقت الكافي، والمزاج المناسب، قبل التوجّه إلى ثاني أكبر متاحف العالم.لكن دقيقة واحدة لن تكفي بالتأكيد، لتأمّل لوحة «مادونا والزهرة»، التي ما زالت حتى يومنا تعتبر مصدراً لإتقان فن الرسم، وقراءة روح الرسام.
تصنف اللوحة الأخّاذة كأحد الأعمال الأولى للرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي، وقد رسمها بين 1460و1470م، ويفترض الخبراء أنها غير مكتملة.
وتلف العديد من التخمينات والأساطير أصل «مادونا مع الزهرة»، وكيف وصلت إلى روسيا، لكن الفرضية الأكثر شيوعاً هي أن عائلة سابوزنيكوف الروسية الغنية اشترتها من سيرك متنقل في إيطاليا، قبل أن يشتريها متحف «أرميتاج» الإمبراطوري في عام 1914.
أبدع دافنشي رسمه في غرفة ذات منظر مظلم، حيث النافذة المزدوجة في عمق الصورة هي المصدر الوحيد للضوء. وتم تقديم النافذة مضافاً إليها الضوء الأخضر، الذي لا يمكن أن يمتصه الشفق تماماً، لكنه في الوقت نفسه أكثر من كافٍ لتوضيح شخصية السيدة العذراء والسيد المسيح، وهو رضيع. كما تمكّن دافينشي من منح الصورة المزيد من الحياة، عبر إعطاء الحجم الكلي للشخصيتين.
أصبح هذا العمل أنموذجاً للرسامين في ذلك الوقت، حيث استخدم دافينشي الدهانات الزيتية في الرسم، والتي لم يكن أحد يعرفها في فلورنسا، قبل أن يبدأ فنانون آخرون في استخدام الأسلوب نفسه. واستفاد الرسام الإيطالي على نطاق واسع من قوة الدهانات الزيتية للتعبير بشكل أكثر دقة عن نسيج المواد، وأسلوب التأنّي في معالجة اللون الأخضر والأزرق والأحمر، واختيار اللون الشاحب للأكمام والعباءة، ما ينسجم بين نسبة الألوان الباردة والحارة. وفي القرن التاسع عشر، تم نقل العمل بحرفية إلى لوحة قماشية، كما يتضح من السجل الخاص باللوحة.
واكتسبت «مادونا والزهرة» شعبية واسعة بين الرسامين بتلك الحقبة، ولم يتبنّ غالبية الأساتذة الإيطاليين تقنيات الفنان الشاب في أعمالهم فحسب، بل اعتمدها كذلك غالبية الرسامين في أوروبا.



