مؤلفون كثر حاولوا سبر أغوار مشاعر الحزن العميقة التي لا قرار لها، لكن قلة غامروا داخل الزوايا الأشد قسوة، كما فعل جايسون غرين، بسرد واعٍ ينطلق كالسيل الجارف، في مذكراته «رأينا النجوم مرة أخرى».

كانت فاجعة وفاة طفلته غريتا في صباح 17 مايو 2015، أكثر من قدرته على الاستيعاب. فالحادث العشوائي الأليم الذي قلب حياته رأساً على عقب وقع أثناء وجود الطفلة في عهدة جدتها التي كانت تقف إلى جانبها عندما سقط حجر من مبنى قديم على رأسها. يكتب غرين وهو بقرب سرير الطفلة بعد إعلان وفاتها دماغياً: «حدقنا من حولنا بإدراك أن العالم كما نعرفه قد انتهى، وما سيأتي لاحقاً سوف يهدم كل شيء». وقد اتخذ الزوجان قراراً بالتبرع بأعضائها، وبدأ، بحسب تعبيره، الهبوط السريع إلى جحيم لا يمكن تصوره. المستشفى قدم للزوجين مجموعة إرشادات يصفها الكاتب في مذكراته «الإرشادات الأولى للتنفس على هذا الكوكب الجديد».

تجربة قاسية

غرين، وهو المحرر السابق في مجلة «بيتشفورك»، شعر بعد تلك التجربة القاسية والفظيعة أنه لم يعد كغيره من البشر، وفقاً لصحيفة «غارديان» البريطانية. كان مثل معظم الأهل بحساسية شديدة للمخاطر المحتملة، السكاكين الحادة والسلالم شديدة الانحدار، كانت وظيفته أن يتأكد من سلامة ابنته، يكتب عن الصدمة: «الصدمة تمزق وعينا وتشرذم فمهنا للعالم. إنها شيء غير متوقع ورهيب ولا يمكن الاستعداد لها. ولهذا ربما ينجذب الناس للقصص التي تحدث فيها أشياء رهيبة كآلية أثبتت جدواها في فهم العالم».

ومع ذلك، فإن مذكراته ليست بائسة تماماً على الرغم من وصفها لأشخاص في قبضة معاناة لا تطاق. إنها مذكرات عن البقاء وقصة زوجين دخلا كفاحاً يومياً لتأسيس أسرة في مدينة صاخبة، ليكتشفا حقاً ما ينطوي عليه ذلك.

هناك العديد من الأزواج لا يستطيعون المرور بهذه التجربة معاً، ويقر غرين لأخيه بأنه يخشى فقدان زوجته أيضاً، لكنهما لم يفترقا بل أصبحا أكثر توحداً في عذابهما.

يكتب: «فقدنا الكثير، ولم تكن هناك طريقة يمكننا تصور فقدان الواحد للآخر».

عزاء

إلى جانب زوجته ستايسي وشبكة من الأصدقاء والعائلة الأكبر، وجد غرين عزاءه في الكتابة. بعد 4 أيام من الحادث الأليم، شرع في الكتابة على هاتفه محاولاً فهم ما يشعر به. كانت تلك آلية للبقاء، ووسيلة لتحمل اندفاعة العواطف الجياشة التي تؤدي إلى نوبات بكاء لا يمكنه التحكم بها، وشعور بأن الحياة لم تعد تستحق العيش.

قرأ كتباً عدة عن كيفية التعامل مع الفاجعة ووجدها مفيدة، وشعر بأن بإمكانه تقديم مساهمة قيمة أيضاً.

وقد عاد الزوجان سريعاً إلى العمل بحثاً عن إلهاء لمحنتهما، لكن غرين اكتشف أن كل الحكمة والدعم لا يمكنه ملء الفراغ الذي خلفه فقدان طفلته. ففتش وزوجته عن تعزية أعمق، توجها إلى خلوة للحزن بمساعدة وسيط، لكتشف أن عليه ليبقى حياً إعادة اكتشاف العلاقة بالأمل».

أمل صارخ

حاول جايسون غرين وزوجته التغلّب على وفاة ابنتهما من خلال رؤية الأحلام المحطمة والافتراضات المدمرة، في اتخاذ قرار مؤكد لمحاولة إنجاب طفل آخر. وفي أقل من 18 شهراً ولد طفل جديد لهما وخرج إلى العالم وهو يصرخ بالأمل والاحتمالات الجديدة.

يقول غرين: «لأن ما حدث لطفلتي كان عشوائياً ومرعباً، فقد واجهنا خيارين. يمكننا أن نخاف من كل شيء، أو أن نقرَّ بأننا نعيش في عالم حيث الأشياء المرعبة تحدث أحياناً وقد حدثت لنا». شهادة غرين تظهر الحب كقوة هائلة، وهي قوة قادرة على رفعنا إلى ذروة الوجود أو شدنا إلى أحلك هاوياته.