ظاهرة قديمة متجددة عبر التاريخ

الأدب محرك إبداعي للأعمال التشكيلية

مندي أمام إحدى لوحاته عن الخيل

حين يجسد الأديب خياله بكلمات، تتشكل روايته أو قصيدته، لتتحول عوالمه المتخلية إلى عوالم جديدة، حين يتخذها الفنان التشكيلي مادة لعمله ويحول أحداثها إلى حالة إبداعية أخرى، حين يجسد الكلمات إلى واقع بصري ملموس من خلال لوحة، قد تتطابق أو تختلف عن ما قصده الكاتب من إنجازه الأدبي، وهو ما يثري الساحة الثقافية والفنية بطريقة جديدة تجمع بين الفكر والفن، في ظاهرة ممتدة منذ العصور القديمة حينما استوحى العديد من الفنانين أفكارهم من الإلياذة والأوديسة لهوميروس أو غيرها من كتب اشتهرت في عهدهم، ونقلوها إلى أعمال فنية ما زالت تدهش العالم، واستمرت الإبداعات الأدبية تداعب خيال الفنان إلى عصرنا هذا.

من وحي القصائد

الكلمة التي تسبق اللوحة، تأتي مفتوحة على كل احتمالات الفن التشكيلي، فالقصائد أثرت في أعمال الخطاط الإماراتي محمد مندي الذي رسم من وحي ولع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، بالخيول تحديداً، من وحي قصيدته التي نظمها بمناسبة فوز خيله بكأس دبي العالمية، فقرأ قصيدته وتفاعل مع كلماتها ومعانيها وبالأخص آخر بيت في القصيدة الذي جاء فيه: «وغرامي في الخيل حب قديم فهي عندي شوق وروح وراح»، حيث ذكر مندي أنه اتخذ هذا البيت موضوعاً للوحة كبيرة عبر فيها عن حب سموه للخيل.

مستحضراً بشكل لوني اختلاط جري الخيول مع السماء ومع التراب، كخلفية للعمل بينما كتب البيت بلون المارون معتمداً على الخط الديواني، كما استوحى مندي من أقوال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وجسدها في لوحة ثانية، تمثل إجابة سموه لما سألوه عن الخيل قال: «الخيل تجري في دمائي الخيل حياتي».

ومن وحي القصائد أيضاً رسمت الفنانة الإماراتية نرجس نور الدين، وتناثرت بين زوايا لوحاتها قصائد تعود لكبار الشعراء مثل قصيدة «كلمات» لـ نزار قباني، وقصيدة «أنا» لـ نازك الملائكة، وبينت خلالها قدرتها على رسم البورتريه الذي مزجته مع القصائد.

الواقعية والتجريد

وكانت الفنانة الفلسطينية قد رسمت من وحي قصائد محمود درويش تحديداً من ديوانه «لماذا تركت الحصان وحيداً» فحاكته بلوحة اسمتها «لا تتركوا الحصان وحيداً» وفسرت حينها هذا الترابط بقولها: «الراحل محمود درويش كان صديقنا وتداولنا معه أفكاره حول ديوانه هذا، وقرأته لتأتِ اللوحة فيما بعد، تواصلاً مع فكرته وأنا أجسدها من خلال رمز الحصان العربي الأصيل، الذي يمثل الشعوب العربية، التي لا يجب أن تترك في حيرة من أمرها بين القمم الجبلية الشاهقة».

أما الفنان الإماراتي عبدالرحيم سالم فقد استند في فكرته التي وزعت على الكثير من لوحاته التجريدية على قصة «المهيرة» والتي كانت متداولة من قبل مولده، وهي كما يشير في الكثير من حواراته «بأن المهيرة تعني المرأة وهي قصة لامرأة تعمل عند ناس في الشارقة، وحين حاول البعض أن يتودد لها بشكل ما كانت ترفض، ويقال إن هناك من اشتغل لها بالسحر إلى أن أصبحت المرأة مجنونة، فأعجبني موقف هذه المرأة التي ماتت بشكل مأساوي عندما حرقت نفسها ولا زلت أتصورها ببساطتها وأجدها متمثلة في الواقع الاجتماعي».

كل هذه الأمثلة وغيرها تدل على أن الأدب الذي يعتبر مادة إبداعية، كان وسيظل إلهاماً لمادة إبداعية أخرى لكنها جاءت بوسائل تعبيرية مختلفة، وهذا الاختلاف يضيف الكثير للمتلقي الذي يتفاعل معها وربما ينقلها بخياله إلى عوالم جديدة وما هو إلا دليل على الإبداع يولد الإبداع فهو ممتد إلى اللانهاية.

سينما

لم تكن الأعمال الفنية هي الوحيدة التي قادت لإبداع الأدب بطريقة جديدة، بل اعتمد السينمائيون على الأدب ومنها الأفلام التي اعتمدت على روايات الأديب نجيب محفوظ، أو على روايات العديد من الأدباء العالميين أو العرب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات