تتبع تاريخي لأصل المفهوم في كتاب

«قلنا وقالوا في التسامح».. بحث الجذور وقطف الثمار

بعد أن توجت دولة الإمارات 2018، بأن سمَّته «عام زايد»، الاسم الذي نُقش في قلوب الملايين بالحب والعطاء، ها هي الإمارات في 2019، ترفل في حلة من التسامح، الذي اختارته حالاً، واختارها مقالاً، فأضحى اسم الإمارات رديفاً للتسامح.

والناظر في صفحة الإمارات البيضاء، يجد التسامح واقعاً يومياً، يتجلى في انسجام أعراق وأديان مختلفة، تعود لما يقدر بنحو 200 جنسية، تعيش وئاماً منقطع النظير، في أمن وأمان. وفي العام الجاري، استضافت الدولة شخصيات ورموزاً عالمية مهمة، ونظمت فعاليات تكرِّس المفهوم عملياً في المجتمع.

وقد حفز ذلك الواقع، أبناء الدولة، إلى عكس مفهوم التسامح بصور وأشكال شتى، بفعاليات وندوات ومحاضرات وإصدارات توثيقية. نستعرض أحدها في هذه القراءة، حيث يفتح الكاتب والباحث، اللواء (م) أحمد خلفان المنصوري، في كتابه «قلنا وقالوا في التسامح»، 5 أبواب، يستعرض من خلالها أنواع التسامح، ويقسمه إلى تسامح «ديني» و«سياسي» و«ثقافي فكري»، ثم في الباب الرابع، يُعرِّف بأسس ومرتكزات «تصريح يونيسكو» حول التسامح، وكذا القانون الإماراتي لنبذ العنف والكراهية، الصادر عام 2015، وفي الباب الخامس، وبعد أن استعرض ما (قلنا) عن التسامح، ينتقل إلى (ما قالوا)، هو إذن بحث عن جذور التسامح، وإضاءة على ثماره في عصرنا الحالي.

تعريف

ينطلق المنصوري في بحثه من تعريف التسامح اصطلاحاً، فيقول إنه: «توافر أدنى حد من المساواة والتكافؤ بين الأفراد، أو قبول بعضهم بعضاً، من أجل العيش بسلام». ويورد عدة تعريفات أخرى، منها تعريف الموسوعة البريطانية للتسامح، وكذا تعريف المعجميّ الفرنسي بيير لاروس، ثم يُعرج على معناه في اللغة العربية، والذي ينقسم لمعنيين، عام وخاص، فالعام يعني سعة الصدر والترحاب بآراء الآخرين وقبولها، دون فرض لرأي واحد من طرف على آخر، أما الخاص، فيعني احترام العقائد المختلفة للآخرين، انطلاقاً من «لكم دينكم وليَ دين».

ويصل في النهاية إلى أن التسامح هو «التساهل مع أفكار الآخرين، سواء كان الخلاف دينياً أو عقلياً، في سبيل الوصول إلى الحقيقة الكاملة غير المملوكة لأحد». ويشير إلى أن مسألة «التسامح الديني»، باتت منذ القرن 17، من أبرز ما يشغل رجال الفكر. ويلاحظ تطور المفهوم، من فعل فردي إلى ممارسة اجتماعية، ليصبح نهج دولة، وصولاً إلى تبنّي المجموعة الدولية له نهجاً.

كبح التعصبيبدأ المنصوري حديثه بالإشارة إلى أن التسامح الديني كفيل بنزع فتيل النزاعات المُحتملة في المناطق متعددة الديانات، كما يُسهم في السيطرة على التعصب الديني، وكبحه بتقريب وجهات النظر، في عالم أصبح قرية صغيرة بفعل التكنولوجيا. ويتتبع مسيرته منذ النشأة ومراحل تطوره تاريخياً، ويسلط الضوء إلى ظهور التسامح الديني لأول مرة، كحاجة ملحة لحلِّ الإشكالية التي نشبت بين الكنيستين «الكاثوليكية» و«البروتستانتية».

وخلص إلى أن التسامح يعد من أهم الموضوعات التي نالت اهتمام الإسلام، لذلك نجده قد شرَّع مواثيق وعقوداً توضح العلاقات بين البشر وتنظمها. وإلى أن التسامح الديني عند الغرب، قائم على 4 أسس هي: البراجماتية والحداثة والديمقراطية والليبرالية. كما انتهى إلى أن التسامح الديني يتجلى لدى الغرب في المحايدة بين آراء الناس.

سياسي

وينتقل المنصوري إلى الباب الثاني، وفيه يناقش «التسامح السياسي»، ويرى أن التعبير عنه يتم في نطاق الواجبات والحقوق، وهذا وفقاً لعدد من التصوّرات السياسية المعقولة عن العدل. وعلى العكس منه «اللا تسامح السياسي». ويذهب بنا في رحلة تاريخية ضارباً الأمثلة على «التسامح السياسي من الشرق والغرب»، فوجد أن تحقيق العدالة في الفكر السياسي القديم في العراق، كان أحد الشروط الأساسية، من أجل استمرار السلطة السياسية، ذاكراً أن الفلسفة البوذية تميزت بالمحبة والتسامح والانفتاح العالمي الشامل، وينعكس ذلك في زماننا هذا عبر الجمهورية الهندية، وتطرق إلى أسس الديمقراطية في السياسة الغربية وهي: الفردية والطبيعية والعقلانية.

ثقافة وفكر

ويصل المنصوري إلى بابه الثالث من كتابه «قلنا وقالوا في التسامح»، والذي انتهى فيه إلى أن «التسامح الثقافي»، يتلخص في احترام التقاليد والقيم ومختلف التوجهات الثقافية للبشر، وعدم التشبُّث بالتقاليد والقيم والاتجاهات الثقافية الخاصة، كما رأى أن «التسامح الفكري»، هو احترام الأفكار والآراء الأخرى المخالفة، استناداً إلى آداب الحوار، وعدم التشدد والتعصب لرأي واحد، حيث إن الإبداع والاجتهاد، هو حق لكل فرد، بغض النظر عن جنسه، أو لونه أو دينه أو ما إلى ذلك، وعدّ ذلك التسامح شرطاً مهماً لمواجهة التعصب والتشدد والانغلاق والتَّزمت.

ووضع شروطاً للحوار والتسامح الثقافي الفكري المفيد، منها العلم والتقيد بأدب الحوار والمناظرة، بعيداً عن التعصب، والإلمام بالموضوع محل الحوار، وقابلية الموضوع للجدل فيه أصلاً، فلا يكون من البديهيات والمسلَّمات. وأشار إلى أن الإسلام كفل الحرية في الرأي والتنوع الثقافي، وبذلك تم فيه التسامح الفكري الثقافي. وسلَّط المنصوري الأضواء على الأدوات المساعدة في نشر التسامح الثقافي والفكري، والتي من أبرزها: التربية والتعليم ووسائل الإعلام. كما شدد المنصوري في نهاية بابه هذا، على أن تبنِّي قاعدة «المعرفة والتعارف والاعتراف» أثناء أي حوار، تختصر الطريق نحو تسامح فكري ثقافي تعمُّ فائدته.

«تصريح اليونيسكو»ويصل المنصوري في كتابه إلى القوانين والمعاهدات الدولية التي صيغت لتكريس التسامح ونبذ العنف والكراهية، ومن أبرزها، «تصريح اليونيسكو» حول التسامح لعام 1995، والمعاهدة الدولية حول حقوق الإنسان، والقانون الإماراتي لنبذ الكراهية والعنف. ثم يصل إلى الباب الخامس من كتابه «قلنا وقالوا في التسامح»، الذي ترك فيه المجال للخبراء والمثقفين للإدلاء بدلوهم في هذا الكتاب القيم، الذي أصّل للتسامح وغطى أبرز زواياه وآفاقه.

نهج للتعايش

وهنا تنتهي الرحلة التي غاصت بنا في لجّة التاريخ، فمرَّت بنا على قيم التعايش منذ العصور المتقدمة، واستعرضت التجارب التي خاضتها الحضارات للوصول إلى نهج للتعايش، يقوم على التسامح، وكانت الحضارة الإسلامية من أبرز من احتفى بالتسامح، وشجعت عليه ممارسة فردية واجتماعية، وصولاً إلى العصر الحديث، وما أبرم فيه من معاهدات توثِّق هذا المفهوم، وتحرص على سيادته بين الأمم والشعوب.

بطاقة

اللواء (م) أحمد خلفان المنصوري، الأمين العام لجائزة محمد بن راشد آل مكتوم للتسامح، تولى منصب الأمين العام لجائزة محمد بن راشد آل مكتوم للسلام العالمي بين عامي 2015 و2016. حصل على جائزة «الموظف الحكومي المبدع» في برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز عام 2009. فضلاً عن كونه مخترعاً متميزاً، يحمل 7 أرقام قياسية في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات