ألقت المؤرخة والباحثة الكندية صوفي عبدالله، حجراً فكرياً في المياه الراكدة، فأحدث حالة من الجدل داخل الأوساط الثقافية والاجتماعية الفرنسية، حققها وأعدّها للنشر الكاتب الفرنسي جان إيف جرينير، في دراسة حملت عنوان: «سجن الأنوار، المكافآت والعقاب.. السجن الباريسي في القرنين 18 و19، الأشكال والإصلاحات»، أعادت خلالها قراءة واقع السجون سيئة السمعة وأشهرها سجن «الباستيل» لتقدم بانوراما حية لتلك المباني ذات الأسوار العالية التي يسكنها الظلام والرعب والخوف، لكن من منظور إنساني جعل القارئ يتفقد أروقة السجن وكأنه في متحف تفوح منه آلاف القصص، لدرجة تُزحم الخيال وتجلجل المشاعر، خالقة حالة الصخب في نفس القارئ، الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً خلال الشهر الماضي داخل الأوساط الأدبية وبين أساتذة علم الاجتماع الذين وجدوا بين أيديهم عملاً أدبياً متميزاً يحمل في طياته نظريات اجتماعية جديدة هي خلاصة دراسة حقيقية لواقع السجون الباريسية في القرون الغابرة.
صورة ضيقة
وتذكر صوفي في مقدمة دراستها، أن مسألة العقوبة والجزاء في عصر التنوير في فرنسا قدمها المؤرخون في دراسات عدة، عن عالم السجون والحياة اليومية داخلها من زاوية واحدة، حصر هذه القلاع الشاهقة وخاصة «الباستيل» في صورة ضيقة، وهي النظرة المخيفة لهذا العالم، لكن المعنى الأهم في رأي صوفي هو أن السجن آنذاك هو في الأساس مبنى حضاري، يقبع في وسط المدينة دائماً، حيث لم يحدث الطلاق بين السجن والمدينة الحضرية إلا بعد العام 1900م، حيث نُقلت السجون خارج نطاق المدن الحضارية، أما قبل ذلك وتحديداً منذ العام 1780م، فكان السجن جزءاً من بنيان وخدمات المدينة، كانت السجون الباريسية الكبيرة تقع في وسط العاصمة، وحول «إيل دو لا سيتي»، وكانت مفتوحة أمام السكان لزيارتها وزيارة نزلائها، وتعود هذه الفكرة لحركة الإصلاح التي رأت أن وجود القلاع التأديبية «السجون» وسط المدينة يخلق العبرة، ويبث الخوف في نفوس المواطنين، ويذكرهم دائماً بالعقاب.
عالم خفي
أما عن طبيعة السجن وتشريحه، فتفيد صوفي بأن الدولة كانت تخصص حصة قليلة جداً من مواردها للإنفاق على السجون، خاصةً فيما يتعلق بصيانة المباني، وكان جزء من العجز في الموارد يتم توفيره من النُّخب والأعيان وأموال الأوقاف والصدقات، أما أغلبية الأموال اللازمة لاستمرار الحياة في السجن فكان مصدرها السجناء أنفسهم، وهنا يكمن الجانب المثير في الدراسة أو القصة، التجارة الخفية داخل السجن وارتباطها بالخارج، عالم مثير مليء بالتناقضات.. يعج باللا معقول، حركة تجارية بين السجان والمسجون والتاجر خارج أسوار قلعة السجن الشاهقة، والبضاعة هي كل ما هو ممنوع ومُحرم ومُجرم، بل هو نفسه العنصر الذي قبع المسجون داخل أسوار القلعة بسببه، عالم خفي يديره السجان والعميد – مدير السجن، لتبرز صوفي خلال سطور دراستها الأسباب والحجج المنطقية الكافية لإقناع القارئ بأسباب ثورة الفرنسيين على قلعة الباستيل وهدمها عام 1789م، أي بعد 9 سنوات فقط من تحويل القلعة إلى سجن، وبعد نحو 400 سنة من تشييد هذه القلعة الحصينة، ليصبح ذلك اليوم رمزاً للثورة الفرنسية ضد الظلم والفساد والعوالم الخفية.


