يعدُّ طابع البريد «بيني بلاك» ابتكاراً إنجليزياً أصيلاً هو الأول من نوعه في العالم، يحمل صورة الملكة فيكتوريا، وتغفو بين طياته الكثير من الحكايات والقصص والأخبار المتناقلة عبر الرسائل، وقيمته «بيني» واحد فقط، أي «بنس»، أصغر وحدة نقدية في بريطانيا، وقد قوبل في البداية بهجوم شديد من جانب رجال البريد المخضرمين بالتزامن مع نداءات شعبية بإصلاح النظام البريدي وما يتعلق به من نفقات للنقل ووصول الشحنات والرسائل في موعدها، وهو ما تناقلته الصحف وبعض السياسيين ضمن حملاتهم الانتخابية، ووصل الأمر إلى أن أورد الكثير من الشعراء نصوصاً تسخر من هذه الأزمة ومن القائمين عليها.

نفقات النقل

كانت تلك الأجواء المشحونة كفيلة بأن تقود إلى حراك ثقافي مجتمعي شامل، وهو ما دفع المعلم والإصلاحي رولاند هيل في عام 1837 إلى نشر كتيب في مدرسة بيرمنغهام، بعنوان «إصلاح نظام البريد أهميته وقيمته»، وتناول فيه أهم عيوب النظام القائم في ذلك الوقت، ورسم خطة ترمي لخفض نفقات نقل البريد ورفع الدخل القومي في الوقت ذاته، كما نادى هيل بخفض نفقات نقل الرسائل وتعزيز مكاتب البريد بمزيد من الموظفين والعربات والخيول، سواء كان هناك 10 رسائل أو 1000 رسالة تنقل في اليوم. وانتقد هيل في كتابه فكرة إدراج الرسوم على حسب المسافة بين الجهة المرسلة منها والجهة المرسلة إليها، واعتبرها فكرة خاطئة، موضحاً أن الصواب أن تكون الرسوم المفروضة على الخطابات المُتناقلة بين صناديق البريد في داخل لندن هي نفسها المفروضة على خطابات ورسائل المناطق الأخرى، طالما كانت داخل حدود إنجلترا، وهي ضرورة وطنية وقومية تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية.

وجه الملكة

أمام مطالبة شعبية وإعلامية، وافق البرلمان الإنجليزي في عام 1837، على دراسة مشروع هيل الذي ذاع صيته وانتشر في جميع أنحاء البلاد، وبعد أكثر من عامين وافق البرلمان على مقترحات هيل الإصلاحية ووقعتها الملكة فيكتوريا، لتصبح سارية المفعول في 27 أغسطس عام 1839. نظَّم هيل بعد ذلك مسابقة لتصميم طابع بريدي، ووقع الاختيار على تصميم قدمه ويليام ويون للملكة الشابة، كان عبارة عن ميدالية يظهر عليها وجه الملكة فيكتوريا للاحتفال بأول زيارة لها إلى لندن في وقت سابق من ذلك العام. عمل هيل مع الفنان هنري كوربولد لصقل الصورة وتطوير نمط الخلفية المعقدة في الختم. وبعد قرار إنتاج الطوابع واعتماد نقش الخط، أعد الفنانان جورج روشال وتشارلز وفريدريك هيث التصميم للطباعة.

المتحف الوطني

كانت تلك الخطوة الرئيسة التي مهدت لظهور أول طابع بريد في العالم والذي صدر عام 1840، وحمل صورة لوجه الملكة فيكتوريا وكلمة بريد بأعلاه، و«واحد بنس» بأسفله، ولم يكتب هيل اسم بريطانيا أو إنجلترا، معتمداً في ذلك على شهرة الملكة التي لا تحتاج إلى التعريف بمواطنها، وهو النظام المتبع إلى اليوم على الرغم من إصدار المملكة المتحدة مئات الطوابع البريدية ومن جانب آخر تم تداول هذا الطابع في مكاتب البريد للمرة الأولى في العالم في 6 مايو، وبيع في لندن أكثر من 60.000 طابع للجماهير التي كانت متلهفة للحصول عليه وتجربة نظام هيل الجديد، وظل «بيني بلاك» قيد الاستخدام 40 عاماً، ويذكر متحف البريد الوطني أن الطابع المذكور «خضع لتغييرات ملونة في عام 1841، وثقب عام 1848».