نلقي اليوم نظرة فاحصة على ثقافة تقليدية ممارسة وبشكل يومي في دولة الإمارات ودول الخليج العربي، وهي عادة مباشرة ومتأصلة أصبحت معروفة للعالم كله، لتحية عمرها آلاف السنين تتم بين شخصين عن طريق الأنف من خلال احتكاك خفيف على طرفه، وبعينين مفتوحتين لتجنب إساءة تقدير المسافة ولفترة قصيرة وسريعة، تسمى "الموايه بالخشوم" أي المواجهة بالأنوف.

لفظ الأنف قادم من الأنفة التي تعني الرِفعة، ويعد رمزاً للكبرياء لدى الإنسان العربي، وهو الجزء الأبرز في وجهه، فإنه يصبح مواجهاً به لمن أمامه، مواجهة سلام لا حرب، بوصف الأنف أعلى مركز في الوجه يخاطب بالتحية أنف وجه آخر وبحس موسيقي وروحي وبأدب جم يرمز للتقدير والوحدة.
تعد هذه التحية تقليد تليد في الإمارات وجزيرة العرب نتاجه مسألة سيكولوجية تستمد خلفيتها السلوكية من مرجع قديم غائب، وما زال اليوم ممارساً بمفهومه العميق القائم على التقدير الذي يتجلى في التعامل اليومي وعبر جمهور كبير من الناس. أما من ناحية التغلغل في مناحي هذه التحية فهو بلا شك موضوع للمناقشة إن لم يكن موضوعاً فكرياً وتأملياً في تجربتنا الحياتية اليومية وهو المعتاد في محركات سلوكياتنا وتفاصيلها.
هذه التحية لا تتم مع الغريب؛ بل بين الأسرة والعشيرة والأصدقاء، أو بين اثنين يعرفان بعضهما، إلا إذا أحس أحدهما بشيء غير مريح تجاه الآخر فلا يواجه بالأنف، إضافة إلى المختصمين بعد الصلح اللذين يتوجانه مباشرة «بالموايه بالخشوم» لينتهي كل ما في النفس من معاليق الحزن والخصام.
ويهمنا أن نقارن هذه التحية التاريخية في جزيرة العرب بتحية الأنف في نيوزلندا لدى "الماوريين" والمشهورة بتحية "الهونغي"، حيث يقوم شخصان بالتحية ذاتها مع اختلاف الضغط على أنوفهما لبرهة بعينين مغلقتين ثم يقومان بلمس الجبين، ورغم اختلاف الأسلوب قليلاً لكنها بذات الهدف الوحدوي. هذه التحية "الماورية" البالغة في تاريخها ثلاثة آلاف عام هي قائمة على رمز المحبة وتعزيز أواصر العلاقات، مع تفسير أسطوري وفلسفي بأنها قادمة لتقريب الأرواح ومشاركة الأنفاس والحياة، أما ملامسة الرأس من خلال الجبهة المعنية وهو تفسير للذاكرة والتواصل مع الأجداد، وهكذا تتوحد الأجساد بالٌأرواح.
"الموايه بالخشوم" مادة إنسانية وثقافية رصينة وعميقة، بالرغم من تقهقر الكتابة البحثية الجادة في هذه المسائل المعاشة رغم تحكم هذه التحية المميزة في سلوكنا اليومي والعام، إلا أنها أسست وفرضت اللياقة الأخلاقية، وصنعت حوارًا صامتًا مستمدًا من مخزون ثقافي مسالم يطرح تصورًا بأنه تمكين وعادة.
