لا تزال الفترة التي قضاها الفرنسي الدكتور لويس بلين، في مدينة جدة السعودية، ضمن مهام عمله الدبلوماسي، حاضرة في ذاكرته.
فقد ساهمت في فتح عينيه على المدينة التي وصلها المستشرقون الفرنسيون، قديماً ضمن حملة الباشا محمد علي، لتتحول «عروس البحر الأحمر» لاحقاً، بالنسبة للمستشرق الفرنسي، إلى بوابة عبور نحو الشرق، وهو ما وثقه الدكتور بلين في كتابه الجديد «اكتشاف الفرنسيين للجزيرة العربية: جدة مختارات من الوثائق 1697- 1939».

حيث اعتبر بلين في حواره مع «البيان» أن جدة كانت ملهمة للأدباء الفرنسيين، وقال: «إن الكتاب يقدم صورة كاملة عن مدينة جدة، كما يراها الفرنسيون»، مؤكداً في الوقت نفسه، أن النسخة العربية من الكتاب سترى النور مطلع العام المقبل، مؤكداً أن اختياره لدبي، مكاناً لترجمة الكتاب ونشره، نابع من المكانة التي وصلتها المدينة عالمياً.
مشاهدات
في تاريخ مدينة جدة، يقلب الدكتور لويس بلين، معتمداً على تفاصيل عديدة ذكرها نحو 50 كاتباً فرنسياً، استطاع من خلالها الدكتور بلين، أن يقدم صورة كاملة عن المدينة، التي ورد ذكرها في العديد من الأدبيات الفرنسية.
حيث قال: «في كتابي الجديد أتتبع تاريخ شبه الجزيرة العربية، منطلقاً من مدينة جدة، التي وثقها العديد من الرحالة والأدباء والصحفيين الفرنسيين، ممن زاروا المنطقة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث وجدت من خلال بحثي العديد من الكتابات التي سجلت مشاهدات المستشرقين الفرنسيين عن تراث المدينة المعماري.
كما وصفوا طبيعة التمازج الثقافي التي امتازت به جدة، في ذلك الوقت، الأمر الذي مثل بالنسبة لي أساساً للبحث عن تاريخ المنطقة، وكيف بدت في عيون المستشرق الفرنسي».
وأضاف: «معروف لدى الجميع أن المستشرقين الفرنسيين وصلوا إلى جدة مع حملة الباشا محمد علي، ومن هنا بدأت عملية الترابط فيما بينهم، ووجود (قبر حواء) في مدينة جدة، شكل سبباً لاعتقاد الكثير من المستشرقين الفرنسيين، أن هذه المدينة هي بوابة الدخول الرئيسة للشرق الحقيقي، من أجل العودة والبحث عن الجذور الحقيقية فيها.
ولذلك أعتقد أن التعرف على مدينة جدة، وسكانها وطبيعة الثقافات التي سادت فيها آنذاك، كان أمراً في غاية الأهمية بالنسبة للمستشرقين الفرنسيين، والذين توافدوا عليها مع افتتاح القنصلية الفرنسية فيها عام 1839».
رحلة

يكشف بلين في كتابه، مدى تأثر الأدباء الفرنسيين بمدينة جدة، التي قادتهم لاكتشاف المنطقة العربية، ويؤكد لنا أن رحلة بحثه أفضت إلى اكتشافه العديد من الوثائق الفرنسية التي حملت بين ثناياها ذكراً لمدينة جدة.
وقال: «في الواقع كانت مدينة جدة ملهمة للأدباء الفرنسيين على اختلاف توجهاتهم، وخلال رحلة بحثي أحصيت نحو 57 نصاً، حررت بين عامي 1810 و1937، وهو ما يدعوني للاعتقاد بأن مدينة جدة استحوذت خلال هذه الفترة على اهتمام كبير بين الأدباء والكتاب الفرنسيين، حيث رسم 50 كاتباً فرنسياً خلال هذه الفترة صورة زاخرة بالتفاصيل الدقيقة للمدينة.
حيث قام العديد منهم آنذاك بتسجيل مشاهداتهم عن التراث المعماري الذي امتازت به المدينة، إلى جانب تسليط الضوء على التمازج الثقافي الذي تمتعت به جدة آنذاك».
ويذكر بلين أن تجربة الكاتب شارل ديدييه، الذي وصل إلى جدة في 1854، كانت واحدة من أبرز التجارب التي اطلع عليها. وقال: شارل ديدييه، أحد أكثر المستشرقين الفرنسيين، دقة في أوصاف المدينة، حيث أشاد في مؤلفاته بجمال المدينة، وبما احتفظت به بيوتها من تصميم معماري خاص، كما أبدى اندهاشه من طبيعة التنوع السكاني الذي طالما تميزت به مدينة جدة.
وقد ألف ديدييه في هذا المجال، كتابه «إقامة في رحاب الشريف الأكبر، شريف مكة المكرمة»، وقدم فيه وصفاً خاصاً يتسم بالجاذبية والحيوية. وأشار بلين في حديثه إلى ما كتبه فيكتور هيغو حول جدة، التي تحولت إلى مسرح لقصيدته «شجرة الأرز»، الواردة في ديوانه «أسطورة القرون»، حيث أطلق على المدينة صفة «المقدسة».
مكانة
مطلع العام المقبل، سترى النسخة العربية من كتاب بلين، النور، حيث اختار من دبي مكاناً لنشر الكتاب، وترجمته. وقال: «اختياري لدبي لتكون المدينة التي تخرج منها النسخة العربية، نابع من المكانة التي باتت تحتلها على الخريطة العالمية، حيث تتاح فيها العديد من الفرص المناسبة للنشر، والتوزيع، بحكم طبيعة موقعها الجغرافي، وسمعتها العالمية، وهو ما يجعلني مطمئناً إلى أن النسخة العربية ستصل إلى أكبر شريحة ممكنة من القراء العرب».
