4 عقود تامات مرت على تواجد الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور في حرم الفن، ولا يبدو فيها أنه وصل إلى حد التعب، فلا يزال برغم وقوفه على عتبة عقده السابع، فتياً، ومتوقداً، حيث يبدو أن في جعبته لا يزال الكثير من العطاء، وهو الذي ظل وفياً خلال عقوده الأربعة الماضية، لتراثه وهويته، التي صاغ من إحداثياتها خطوطاً جمعت بين حدودها معالم التراث الفلسطيني، الذي يمكن أن تلمس ملامحه في كافة أعماله، التي تحولت لاحقاً إلى مشروع توثيقي، لإبقاء الذاكرة الفلسطينية متوقدة، وعصية على الموت.
لا يزال منصور، حافظاً لمكانته في الذاكرة الفلسطينية، تلك التي بدأت من قبل أن ترى لوحته «جمل المحامل» النور في مطلع السبعينيات، لتتحول لاحقاًَ إلى رمز رافق الفلسطيني في حلة وترحاله، وسكنت أحلام الذين نشأوا في أزقة الشتات، والمدن الفلسطينية، وداعبت مخيلة من يعشقون الفنون البصرية، على اختلاف مدارسها.
مفاتيح
4 عقود ظل خلالها منصور مشغولاً بالتعريف بهويته وإرثه وتراثه، الذي نهل منه كثيراً، وشكل عموداً فقرياً لأعماله، التي حكى فيها بعضاً من ملامح التاريخ الفلسطيني، بكل تقلباته ولحظات هدوئه وثورانه، فحملت أعماله مزيجاً خاصاً من الغضب والحزن، والأمل والحلم، وبعضاً من مفاتيح العودة.
وها هو منصور يطل من جديد، في حدائق المتحف الفلسطيني برام الله، فاتحاً نوافذه على عمل جديد، يدعى «المنطار»، يعيد من خلاله إحياء جانب من التراث في الذاكرة الفلسطينية، التي طالما تطلعت على «المنطار» على أنه «بيت صيفي» و«قصر المزارعين» في الريف الفلسطيني، كانت العائلات تقضي فيه نهارها وليلها، أثناء مواسم الحصاد، حيث كان الفرح يغمر الأرض، وتطل الأغنيات برأسها، وتعيد الحكايات تشكيل نفسها، حيث تلقيها الأمهات على مسامع الأطفال وقت النوم.
تفعيل
تنفيذ منصور للعمل، كان بتكليف من المتحف الفلسطيني، في سياق معرضه «اقتراب الآفاق»، وفيه يحاكي منصور فكرة إعادة إحياء بناء «المناطير» في حدائق المتحف، وتفعيل الحياة فيها، انطلاقاً من أهميتها في المشهد الريفي الفلسطيني، وحفظاً لنمط العمارة التقليدية من الاندثار.
«المنطار» الذي كشف عنه، أول من أمس، يشير إلى مدى انشغال منصور بالتراث، الذي «يمتاز بجوانب جمالية وشاعرية كثيرة، وهي العناصر التي بحث عنها الفنان في فلسطين»، وفق تصور منصور الذي قال عن عمله الجديد: «تحمل فكرة هذا العمل قيمة عاطفية تربطني بذكريات عن «المنطار» والمشهد الطبيعي الفلسطيني بشكل عام، والتي تمثلت في مختلف أعمالي الفنية. أعدت رسم مشهد «المنطار»الذي لازمني سنين طويلة، لأعيده إلى الحياة بعد أن توقفنا عن بنائه منذ أكثر من ثمانين عامًا».
في عمله، اختار منصور بناء نموذج حيّ يمثل صورة طبق الأصل عن «المناطير» المنتشرة في الريف الفلسطيني، بشكلها الدائري المخروطي الذي يعتليه «العريش»، حيث بني بالطريقة التقليدية، وبحجارة طبيعية مماثلة لتلك المستخدمة في بناء «السناسل الحجرية» المنتشرة في الجبال الفلسطينية.
المناطير
«المناطير» هي عمائر حجرية تنتشر في المنحدرات الجبلية والأودية في الريف الفلسطيني. ارتبطت المناطير بالمواسم الزراعية، وهي تُبنى من الحجارة الطبيعية غير المهذبة المتوفرة في البيئة المحيطة، وتُسمى حجارة «الرجادي»، ولا يستخدم في بنائها أية مؤونة بين حجارتها.
