«الفلامنكو».. هو صوت الغجر ولسان حالهم، أينما ارتحلوا عبر أشعارهم وأغنياتهم المغموسة بالحزن. هذا ما ظلت تصدح به «خوانا» الغجرية عبر غنائها الحزين وصرخاتها الأشبه بالعويل، وسط جاراتها وأقاربها في أقصى الجنوب الإسباني بمقاطعة أندلوسِيّا، فمنزلها رغم قلة الحيلة كان عامراً بالحب والعطاء.
في حي «لا لي ليخويلا» وُلِد في بيتها ملك جديد لأغنيات الغجر، تلوّن بحزنها، وجسّد محن التمزق والمكابدات فيها، إنه كامارون دي لا إيسلا، أحد أعظم مطربي «الفلامنكو» في القرن الـ20، والذي حضر جنازته أكثر من 100 ألف شخص.
«روبيان الجزيرة»
خوسيه أو كامارون دي لا إيسلا، وهو اللقب الذي داعبه به عمه في طفولته، بسبب شكل شعره الكثيف الأشقر الأجعد، ويعني بالإسبانية «روبيان الجزيرة» الاسم الفني الذي اختاره لنفسه بعد وصوله مدريد، بناء على نصيحة أسطورة «الفلامنكو» دولوريس أبريل، قبل أن يقوموا بإرسال النسخة الأخيرة من إعلانات وملصقات الحفل المشترك لنجوم «الفلامنكو» على مسرح «توري بيرميها»، فما كان منها إلا أن أهدته سواراً ذهبياً عليه نقش لروبيان ذهبي حفر عليه اسمه، ارتداه حتى وفاته في 2 يوليو 1992م.

مجتمع غجري
ولد أسطورة «الفلامنكو» الإسباني بجزيرة سان فرناندو في 5 ديسمبر 1950م، لعائلة مكوّنة من 8 أطفال، بدأ الغناء في سن الرابعة، في منطقته العامرة ببيوت الصيادين والعمال في مخازن الملح، كان والده «لوي» يمتلك ورشة حدادة لصناعة الخطّافات الغجرية للصيادين، وسط فترة ازدهار اقتصادي مرت بها المدينة الساحلية، إلى جانب المجتمع الغجري وعائلته التي ساهمت في نشر ثقافة أغنيات «الفلامنكو» عبر حفلات تميزت بالنغمات الحزينة المأساوية، والصرخات التي تشبه العويل. وهذا ما جعله يتلوّن بالغصة ويجسّد المحن والتمزق والمكابدات التي يشعر بها الغجر.
إيقاع «خوانا» و«كاراكول»
عاش كامارون طفولة سعيدة وحرة، متنقلاً بين الينابيع والحقول والشواطئ ومنازل الجيران يغني موسيقى الغجر على إيقاع حدادة أبيه وصوت أمه العميق الشجن، في حي اجتمع فيه أشهر فناني ذلك العصر من الغجر والأندلسيين.
كان يتسلل برفقة أقرانه لسماع المطرب الشهير مانولو كاراكول، الذي اعتبره كامارون قدوته ومثله الأعلى؛ فقد امتلك صوتاً عميقاً، ودافئاً، حينما كان يشدو بأغنيات «الفلامنكو» ببراعة، وكانت أمه «خوانا» معلمته الأولى، واستطاعت صقل موهبته، كما ذكر في أحد لقاءاته الصحافية: «أعتقد أنني حين ولادتي منحتني أمي الغناء بدلاً عن البكاء، فتلك موهبة من عطايا الله»، فقد لقنته إرث وتقاليد أغنيات الغجر الأصيلة.
واستطاع بفضل حنجرته المرنة والقوية أن ينقل لجمهوره أغنية نقيّة من داخله وكأنها حياته التي يستهلكها يوماً بعد يوم. وكانت التجديدات التي أتى بها محض مصادفات إن جاز القول، وإنْ كان لها جذور في طبيعة شخصيته العاطفية والسخية، وتكوينه الفنيّ، ونشأته في بيئة فقيرة.

«ماتادور»
بعد وفاة والده، لم تغفل والدته «خوانا» عن تربية أبنائها، فعرف كامارون بحسن الخلق والهدوء والخجل الشديد. ولم ينتظم على الذهاب إلى المدرسة، وتركها بعد اتقانه القراءة والكتابة. فقد كان تفكيره متخماً بالغناء المتوارث عن أسلافه الغجر، وكان مفتوناً بمصارعة الثيران، فقد تمنّى أن يصبح «ماتادور» مشهوراً، ولكن الأقدار قادته إلى غير ذلك. خاصة بعد أن بات يقدم الحفلات على خشبة «بينتا دي بارغاس» وهو في الـ7من عمره وذاع صيته حين بلغ الـ12 من عمره، فكان مغنياً محترفاً في موسيقى «الفلامنكو» في نُزل «قادس» و«ملقة»، وقام برحلات كثيرة بحثاً عن تقاليد «الفلامنكو» الأصيل في جميع أنحاء الأندلس، وسافر إلى القرى البعيدة وراء الغجريات المُسنّات لتعلم الطرق القديمة للغناء وتدوينها.
فرادة
تميّز كامارون بأسلوب أدائيّ فريد لم يسبقه إليه أحد، فقد جاء الشابّ الغجري بصوته المجرَّح ليكسر قواعد مقدّسة بما عُرف بتحريفات رتمية رغم عدم انفصالها الإيقاعات الجذرية في «الفلامنكو». فما أتى به كان نابعاً من طبيعة خالصة، تمتّع بها الفنان الذي لم يدرس الموسيقى. وبعد بضع سنوات انتقل إلى مدريد ليصير مغنيّاً دائماً في «تورّيس بيميخاس» حيث تعرّف على عازف الغيتار باكو دي لوثيّا، وسجّل معه ألبومه الأوّل «حين تراكِ تبكي الأزهارُ» (1969)، وتبعه بـ8 أسطوانات أخرى، اعتُبرت أفضل أعماله مثل «عيناكِ نجمتان» (1971)، و«صانعةُ السِّلال» (1972).
