جسدت أعماق ريف أوكرانيا

القصيدة الموسيقية عند بافل تيتشن نزهة في عوالم متغيرة

عاش الشاعر الأوكراني بافل تيتشن في قرية أوكرانية قريبة من محافظة تشيرنيغوفسكي الأوكرانية(1891 - 1967)، مما ساعده على سماع الأغاني الفلاحية الشعبية، والتمتع بجمال الطبيعة الأوكرانية الخلابة، ما أعطى أشعاره بُعداً فطرياً جنينياً خاصاً..

فهو لم يصبح مغنياً أو عازفاً، بل أصبح موسيقاًي إيقاعياً مرافقاً لأغلب قصائده. ممارسة الأدب بالنسبة له كان راحة نفسية، ونزهة جميلة في عوالم متنوعة متغيرة فجائية مثيرة..، لذلك نجده يهتم كثيراً بالشكل الفني، وبالعناصر الغنائية الإيقاعية. فديوانه الأول كلارنيتات شمسية، يقدم من التسمية أوّلية الموسيقى على الأشياء الأخرى. ما إن تبحر في عوالمه الإبداعية حتى تأخذك أشعاره، المشبعة بنبرة وجدانية عاطفية، إلى زوايا الحلم المنفرجة على فضاءات الطبيعة الملونة:

الأشجار في الغابات تحف..

مثل قيثارة

تهلهل بالربيع الآتي

وأغصان شجر الصفصاف...

تمسك بأوتار المطر..

هذا الاختلاج الموسيقي الذي يربط الكلمات بالمعاني، يخرج أحياناً عن طبيعته الكونية الجمالية، نحو أطياف مأساوية معبأة بالحزن، والألم، والخوف، حيث لم تنته بعد رمادية الماضي المرتبطة بالحروب والمآسي والأشجان.. مازال حاضراً بذهن وروح الشاعر، ويأخذ منه حيزاً مهماً من تفكيره وهواجسه.

آتياً من السماء طائر أسود

عيونه..كالمخالب!

في العشرينيات من القرن الماضي تعرّف تيتشن على الشاعر الأوكراني الكبير ميخائيل كاتسيوبينسكي، حيث اطلع على تجربته الغنية، آخذاً بتوجهاته ونصائحه، وأهمية التراث والثقافة القومية...

جرى التطور الفكري لتيتشن متواتراً مع ديناميكيته الإبداعية. وقام كل عمل جديد للكاتب بدور إيجابي، فتح له آفاقاً جديدة، موسعاً بذلك تجربته، ومحدداً أسلوبيته وتميزه اللغوي وتطوره الفكـري.

فمثلا في المجموعة الشعرية المحراث، يتخذ من هذه الآلة رمزاً للحياة الجديدة، مقدساً العمل الحر النظيف؛ لكن المعنى الآخر المرتجى من المجموعة هو ما تعبر عنه رمزية الريح.

أنا لم أحب الريح

مثلما أحببت نسمةً من ريحنا!

الكتاب الثالث

الكتاب الثالث لتيتشن «نسيم من أوكرانيا»، يعرض النمو الفكري والجمالي للشاعر، موسعاً بذلك كثيراً من مساحة دوائره الإبداعية والرومانسية الثورية، تتحول من حماسية عفوية شكلانية إلى فكرية إيجابية متلبثة بحب وطني حقيقي، قد تشوبه بعض الأحيان الشعاراتية الرومانسية.

تحركي

من يحسم الجدال بحياة هرمة؟!

الدولة آتية..آتية

إبعثي لنا رايات جديدة

وبحراً أكثر طراوة...

وأنت يا أرضنا الطيبة..

أنجبي لنا الأبطال!

معان عميقة

التركيب المعقد للملحمة يحمل بأشكاله معاني فلسفية عميقة، وأبعاداً إنسانية حقيقية. ولا يوجد غرابة حين تغني (الروح) جوقة على روح الميت.. ربما كانت الروح هنا متعددة الأصوات والألوان، أو قد تكون خاصية الـ (أنا) الجماعية هي التي تغني للوطن، بترابه وسمائه!

الروح متعددة الأوتار، لكنها موضوعة في نوطة موسيقية مدروسة، تعزفها فرقة سمفونية مضبوطة الإيقاع، لذلك فدورها محدد بحرارة الشعور، والعاطفة، وقوة الحدث الجلل.

لا يوجد أحد يمكنه أن يقهرنا..

النصر دائما للشعب!

الشاعر يأخذ من القص ذاته الـ (أنا) الثانية، ويدخلها في نص ملحمته مع سخرية سوداء، تضاعف قوة المعنى بعض الأحيان.

الكلاب الشرفاء

لا يمكنهم مساعدة الذئب بعد الآن!

النثرية الإنشائية الحادة، والمعاني المعبرة بقوة وصدق، تحدد فكرة الملحمة الأساسية سيعيش فقط من كان ابناً باراً لوطنه، والحزن الجماعي عند قبور الشهداء، يولد إيماناً بنصر الشعب الخالد بخلود أبنائه!

تحول تيتشين من الشعر الوجداني الموسيقي الذي يعكس دواخل الإنسان الجميلة الصادقة، عبر انطباعية تمس أوتار القلب والمطر في لحظة واحدة، وتحاور المحيط بشفافية مطلقة، مازجة أطياف الكون بمشاعر الإنسان وأحاسيسه البلورية، إلى الحماسية الثورية المباشرة أدخل عناصر نشازية غريبة إلى قصائده، رغم كل ما أوتي من موهبة ومواضيع هامة وأفكار جديدة.. لكن يبقى بوح أشعار بافل الأولى خالداً في الذاكرة وحنايا القلب.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات