«الرياح والرمال والنجوم» رائعة دي سانت في فقد الصديق

مهما كان شكل الخسارة، سواء بالموت أو المسافة أو مختلف أنواع هجران الوفاء والحب، فإن خسارة الصديق تبقى واحدةً من أكثر مآسي الحياة تحطيماً، بقدر ما هي إحدى حتميات الحياة المطلقة، فقد خسرنا جميعاً في مرحلةٍ ما صديقاً عزيزاً لسبب أو لآخر.

إلا أن أحداً لم يتمكن من التعبير عن الارتباك الذي تسببه هذه الحتمية بشكل أبرع من مؤلف رواية «الأمير الصغير» أنطوان دي سانت أكزوبيري في كتابه «الريح والرمال والنجوم» تلك المجموعة القيّمة من مقالات السيرة الذاتية والتساؤلات الفلسفية والتأملات الشعرية المتمحورة حول طبيعة الوجود. الكتاب نشر مع اندلاع الحرب العالمية الثانية قبل أربع سنوات من صدور «الأمير الصغير» حيث أهدى أنطوان في المقدمة عمله لصديقه المفضل في مقطوعة ستظل واحدةً من أجمل الإهداءات التي وضعت على الإطلاق.

بعين على حياته كطيّار، يعاين أكزوبيري بحلاوة غير عاطفية التجربة العامة لخسارة صديق طيار بحادث أو في الحرب. ويكتب في إحدى الفقرات التي تشع ببصيرة كونية لصيقة بخسارة صديق تحت أي ظرف كان:«شيئاً فشيئاً، تستوعب عقولنا بأننا لن نتمكن مجدداً أبداً من أن نسمع ضحكات صديق، بأن أبواب تلك الحديقة قد أغلقت بوجهنا للأبد.

في تلك اللحظة بالذات يبدأ الحداد الحقيقي الذي ليس بالضرورة أن يكون مبكياً إلا أنه أكثر مرارةً، ذلك أن شيئاً لا يستطيع التعويض عن هذا الرفيق، فالأصدقاء القدامى لا يخلقون بلحظة. ولا شيء يضاهي كنز الذكريات المشتركة والتجارب المشتركة والخلافات والمصالحات وفيض العواطف السخية»

وبعد ثلاث سنوات يمنحنا سانت أكزوبيري التعزية الوحيدة الممكنة لذاك الأسى الوجودي، في الصفحات الثلاث الأخيرة من كتاب «الأمير الصغير» فيكتب في المشهد الختامي حيث الأمير الصغير على وشك أن يغادر إلى كوكبه، الأرض، فيبلغ الطيار المكسور عن عدم استعداده لخسارته وفقدان ضحكته الذهبية: «لكل من الناس نجومهم، لكنها ليست متشابهة بعيونهم على اختلافهم.

فللبعض، من المسافرين تكون النجوم مرشدتهم، وللبعض الآخر هي ليست سوى أضواء ضئيلة في السماء، وللعلماء هي إشكالية، ولرجال الأعمال في عالمي هي ثروة. لكن النجوم جميعها صامتة. أما أنت، أنت وحدك فستكون لك كل تلك النجوم مجتمعةً كما لم تكن لسواك... وفي إحداها أعيش، وفي ثانية أضحك وهكذا ستكون النجوم كلها وكأنها تضحك حين تنظر إلى السماء ليلاً. وسيصاب أصدقاؤك بالدهشة لرؤيتك تضحك بينما تنظر للسماء!».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات