لا أحد منّا يرغب في الفشل، ولكن لا يمكن لنا تحقيق النجاح في المؤسسات المهمة، إلّا عند مواجهة أخطائنا، وبهذا بمقدورنا الاستلهام والتعلُّم من نسختنا الخاصة من كتاب «الصندوق الأسود»، الصادر بنسخته العربية أخيراً، عن دار «منجول»، بحيث نستطيع خلق مناخ يكون ارتكاب الأخطاء فيه أمراً آمناً.
لا بدَّ أن يختبر كلٌّ منّا الفشل من وقت لآخر، سواء أكان ذلك عند تقديم أداء دون المستوى المطلوب في مقابلة عمل، أم عند الرسوب في امتحان، أم عند خسارة مباراة كرة السلة مع الأصدقاء. إلّا أنَّه بالنسبة للعاملين في المجالات المتعلِّقة بسلامة الأفراد، قد يكون لارتكاب الأخطاء نتائج قاتلة. فكِّروا بالحقيقة الصادمة التي مفادها أنَّ الأخطاء الطبّية التي يمكن تلافيها، هي ثالث أكبر قاتل في الولايات المتحدة، متسببة بما يزيد على 400 ألف حالة وفاة سنويّاً، هذا ويفوق عدد الأشخاص الذين يلقون حتفهم، بسبب الأخطاء التي يرتكبها الأطباء والمستشفيات، عدد الذين يلقون حتفهم نتيجة حوادث سير. وفضلاً عن ذلك، لا يتم الإفصاح عن معظم تلك الأخطاء على الملأ، نظراً للتسويات الخاطئة التي تنص على عدم الإفصاح عنها.
منهجية
كي نطّلع على منهجية مختلفة تماماً للتعامل مع الفشل، دعونا نأخذ مجال الطيران مثالاً على ذلك. إذ تحتوي كلُّ طائرة مخصصة لنقل الركاب في العالم كلِّه، على صندوق أسود لا يمكن تحطيمه، وعند حصول أيِّ حادث، سواء أكان خطيراً أم بسيطاً، يُفتح الصندوق وتُحلَّلُ بياناته، ليتمكَّن الخبراء من اكتشاف ما حدث بالضبط. بعد ذلك، تُنشَر البيانات وتتغيَّر الإجراءات المتبعة، كيلا تتكرر الأخطاء نفسها مرَّة أخرى. وبعد تطبيق هذه الاستراتيجية في العقود الأخيرة، حققت صناعة الطيران سجل سلامة مدهشاً.
لا ينطوي عمل الكثيرين منّا على وضع حياة الآخرين على المحك، كما هو حال الجراحين والطيارين، ولكن لدينا رغبة قوية في تفادي الأخطاء المتوقَّع حدوثها أو غير المتوقَّعة. إذن، لِمَ لا نتبنّى جميعاً المنهجية المُتَّبعة في مجال الطيران تجاه الأخطاء، بدلاً من المنهجية المتبعة في مجال الرعاية الصحية؟ كما يبين لنا ماثيو سايد في هذا الكتاب، الذي يطرح منظوراً جديداً، أنَّ الإجابة عن هذا السؤال، تكْمن في طبيعة النفس البشرية وثقافة المؤسسات.
نجاح
يقول سايد إنَّ العامل الأهم والذي يحدد النجاح في أيِّ مجال ينطوي على الاعتراف بالفشل والرغبة في التعامل معه. إلّا أنَّ معظمنا مقيَّد بعلاقة مع الفشل تحول دون تقدمنا، وتعيق ابتكارنا، كما تدمِّر حياتنا المهنية والشخصية، إذ إننا نادراً ما نعترف بالفشل أو نتعلم منه، على الرَّغم من أنَّنا غالباً ما ندَّعي عكس ذلك، بسبب اعتقادنا بأنَّنا نملك إدراكاً مسبقاً كاملاً للأمور، لكنَّ رؤيتنا لها عادة ما تكون ضبابية.
ويعتمد على مجموعة واسعة من المصادر التي استقاها من علم الإنسان وعلم النفس، إلى التاريخ ونظرية التعقيد، لاكتشاف الأنماط الخفية التي يمكن التنبؤ بها لطبيعة الخطأ البشري، والاستجابات الدفاعية التي نظهرها عند ارتكاب الأخطاء، كما أنَّه يشارك قصصاً مذهلة عن أفراد أو مؤسسات تبنّوا سياسة الصندوق الأسود بنجاح، ليحققوا التقدُّم، أمثال ديفيد بيكام وفريق المرسيدس في الفورمولا ون وشركة Dropbox.
يقدِّم كتاب «عقلية الصندوق الأسود»، منهجية جديدة للوصول لأداء رفيع المستوى، ووسيلة لإيجاد هامشنا الخاص في عالم معقد سريع التغيُّر، ولا يتعلق الأمر بمجال الرياضة وحسب، بل ينطوي أيضاً على نتائج قوية تؤثر في مجال الأعمال والسياسة، كما تؤثر في حياة الآباء والتلاميذ.
عالم واقعي
يعتمد ماثيو سايد في كتابه على مجموعة واسعة من الدراسات والأمثلة المستقاة من العالم الواقعي في مجالات الرياضة والأعمال والتعليم والسياسة. ويستطلع ماثيو السبب الحقيقي وراء تحقيق النجاح، ويظهر أنَّنا لا نستطيع أن نتطوَّر، إلا إذا كنّا على استعداد للتعلم من أخطائنا
