«حين تدرك أنك فانٍ وتدرك عظمة المستقبل، تقع في حب وقت لن تتمكن من إدراكه قط». هكذا كتبت الشاعرة والفيلسوفة والفنانة اللبنانية إيثيل عدنان في إحدى تأملاتها الجميلة حول الوقت والذات والزوال والتسامي.

إنها عاطفة تزخر بالصدق والبساطة، وتظل مع ذلك عصية على الفهم العقلي، فنحن مجرّد كائنات مادية مفصومة بواقع ذراتنا المستعارة، المحكومة بأن تعود يوماً ما إلى الكون، إلى الغبار الكوني الذي صنعنا منه رغماً عن كل محاولاتنا الدنيوية.

لكن قبل ذلك بألفي عام، وقبل أن يكون مفهوم الكون قد وجد أصلاً، طالعنا الإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس، بمواساة نيّرة غريبة حيال هذا التناقض المزعزع عن الوجود مدوناً بين دفتي كتاب بعنوان «تأملات».

الكتاب الكنز الذي لا يعفو عنه الزمن يعطينا نصائح حول كيفية تحفيز ذواتنا للنهوض من الفراش كل صباح، وحول تلك الخدعة العقلية للحفاظ على نعمة العقل، والمفتاح لعيش الحياة حتى الامتلاء.

مساعدة الذات

عبر دهور سبقت اختراع ما يعرف بمساعدة الذات، جهز الرواقيون الإنسان بعدة مركزية للتطهير الذاتي، فتحدثوا عن وصفات للنظام الفكري بصراحة بالغة تقارب الوحشية أحياناً، وتشاركوا بأسلوب توجيهي مع أساتذة الزن الذين تتصف تعاليمهم بالنبرة الحازمة التي تبدو غاضبة وتوبيخية، علماً أنها تصاحب أفضل التمنيات لتحقيق النمو الروحي للمريد.

من هذا المنطلق يتطرق أوريليوس للسؤال المتعلق بكيفية معانقة مسألة فنائنا، وأن نعيش حاضرين على امتداد مساحة الحياة في كتابه الثاني حول التأملات، والذي جاء فيه حسب ترجمة جورج هايز: «إن السرعة التي يفنون بها جميعاً، أي الأشياء في هذا العالم وذكراها مع الوقت.

وإن الطبيعة الحقيقية للأشياء التي تختبرها حواسنا، سيما تلك التي تغمرنا باللذة أو ترعبنا بمدى الألم يجاهر بها غرورنا. وإن فهم كل تلك الأمور، واستيعاب مدى الغباء والازدراء والقذارة والتحلل والموت الذي نحن عليه، يستوجب وجود القدرات العقلية وهي وجدت لذلك».

ويلخص أوريليوس الحقائق الأساسية لحياة البشر، ذلك الفهرس المليء بالالتباسات المتوج بحتمية الموت لا غير، ويشير إلى الفلسفة أو حب الحكمة والعيش الواعي بوصفها المخلّص الوحيد لتداعياتنا الوجودية.