«مياه مالحة»..قطع ذكريات ترسم خارطة سيرة متقنة

«سولت واتر» أو: مياه مالحة، كتاب ليس واعداً وحسب، بل يمثل عملاً أدبياً مفعماً بالوعود الجديدة، وهو بقلم الكاتبة البريطانية جيسيكا أندروز، إذ يطالعك من الصفحات الأولى بصوت مميز على الساحة الأدبية، ويتبدى الكتاب قيمة إبداعية بديعة إذ انتثر كما قطع من الذكريات ترسم خريطة سيرة متقنة.

حيث تملك أندروز، كما رآها معظم النقاد، موهبةً حقيقيةً في الوصف، الأمر الذي رفع من مستوى كتاب السيرة الذاتية من مجرّد مذكرات عادية لشابة في منتصف العشرينيات إلى شيء ما أكثر نقشاً في الذاكرة.

ويدور كتاب «مياه مالحة» حول التوصل إلى حقيقة من نكون، بأنفسنا وبلا مساعدة من أحد مع الإقرار بمكانتنا بالنسبة لكل الذين مرّوا من قبلنا. الكتاب عبارة عن فصول متناهية القصر تتأرجح بسرعةٍ بين الحاضر.

حيث ورثت راوية أندروز واسمها لوسي كوخ جدها بإيرلندا، وهربت إليه بعد أن وجدته خلاصاً من حياة الفوضى في لندن، وبين الذكريات المتعلقة بعائلتها التي تنتمي للطبقة العاملة وسنوات ترعرعها في ساندرلاند، بالإضافة لوجود مقاطع أكثر شاعرية عن علاقتها بأمها. ويشكل كل ذلك استكشافاً لملامح الاعتماد المتبادل ونقطة ارتكاز مناقضة لمحور تركيز الفصول الباقية الضيقة من الكتاب.

ولا يقتصر «مياه مالحة» على وصف علاقة لوسي بعائلتها، بل غالباً ما يتطرق إلى هواجسها والمخاوف العميقة التي تعصف بها، كما التيارات الخارجية السائدة للعالم الذي تكبر فيه، الأمر الذي يجعل من المؤلف أحياناً يبدو وكأنه صورة مزعجة لرداء قديم أكثر منه نصاً يتسم بالعمق.

ويجدر الذكر هنا أن الصور الخيالية في الكتاب، بمعظمها، جاءت مقنعة وتتسم غالباً بأنها خام وتحض على القلق، كما لو أن الأفكار التي لم تقال تزحف تحت الجلد كجرح مفتوح، أو كشمع سائل حارق يتصلب مع الوقت فيترك ندبةً بيضاء.

وقد اعتمدت أندروز حبكة تتناسب تماماً مع نوع القصة التي ترويها، فكل فصل قصير عبارة عن قطعة من الذاكرة، يتم المرور عليها سريعاً وتقليبها على وقع يتيح للكاتبة إثارة فائض حمل المشاعر الذي يزخر به ذهنها فائق الاستثارة والطنين. الصور المزخرفة أتت مرسومة بدقة وعناية وكأنها مقتطعة من حياة كل منا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات