إنها سخرية تاريخ الفن أن يتسم الفنانون أصحاب الأعمال التي حددت ملامح إبداعاتهم الثقافة الراقية، بمختلف الاضطرابات العقلية؛ إلا أن الأعمال الفنية للأشخاص العاديين المغمورين الذين يصارعون مع تلك القضايا عينها، تعتبر شكلاً من أشكال العلاج أو التلهي أو حتى شكلاً لا معنى له من أشكال الانشغال. وعلى الرغم من أن العالم قد اخترع سوقاً لما يعرف بـ«الفن الدخيل»، فإنه يبدو أن مثل هذا العمل ومبدعيه، يتم النظر إليهم من خلال منظار الأجناس البشرية أكثر منها للوحات مؤنسنة للرسام.

وكما أوضح مايكل فوكولت في كتابه «الجنون والحضارة» فإن المؤسسات قد انتشرت خلال فترة تاريخ أوروبا الحديث لإلقاء الحجر على بعض الطبقات، وعزلها عن بقية المجتمع. كذلك شكل كتاب الطبيب النفسي الألماني هانز برينزهورن عام 1922 تحدياً بعنوان «فن المرضى النفسيين»، الذي منح خلافاً للسائد صوتاً للمهمشين سابقاً، للمساجين والمجانين والفقراء المدقعين وسواهم. كم أنه أعطاهم جمهوراً متميّزاً من أمثال بول كلي وماكس إرنست وجين دوبوفيه الذين استلهموا من أعمال فنانين مغمورين مصابين بالفصام.

وحين أقام الألمان عام 1937 معارض «الفن الحديث» ظهر جزء من مجموعة برينزهورن تضم ما يزيد على 5000 لوحة ورسم ومنحوتة معروضة إلى جانب أعمال فنانين طليعيين تأثروا بها.

ومع أن كتاب برينزهورن انحدر إلى الظلمة، آخذاً معه الفنانين الذين جمع أعمالهم بعناية ونشرها، إلا أنه يقدم تعبيرات عن ستة دوافع أساسية تشكل محاولات علاجية «وتولد منها صناعة اللوحات». وتتضمن الدوافع العالمية تلك «الدافع التعبيري ودافع اللعب ودافعاً للأمر والنهي وميلاً للتقليد والحاجة لاستخدام الرموز»، فإبداع اللوحات مدفوع بحسب برينزهورن برغبتنا العميقة لترك أثر ما، وبدافع لئلا نبتلع كأشخاص باستسلام ضمن بيئة ما، بل لأن نترك آثاراً لوجودنا بما يتخطى ذاك النشاط الهادف.

وتعتبر الهواجس النظرية تبعاً لتحليل برينزهورن غير ذات أهمية، ذلك أن إبداع الفن على يد أي شخص كان مجرد دافع بشري كوني لا يتطلب تدريباً محدداً ولا عقوبات اجتماعية ولا شبكة سماسرة ومراقبين وجامعين. ولعل تلك هي الرسالة المقلقة بالنسبة للأشخاص الذين يرصدون حدود الثقافة.