بعد اختفاء استمر أربعة قرون

خمس نسخ من «فوائد» أحمد بن ماجد

في مكتبة باريس الوطنية أي في مدينة لم تكفَّ منذ عصر نهضتها عن ضخ مكتباتها ومتاحفها بمخطوطات الشرق وآثاره، ظهرت مخطوطة «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» لشهاب الدين أحمد بن ماجد، من جديد ولأول مرة عام 1912م، بعد غياب طويل امتد 4 قرون، فكان خبراً لافتاً وسعيداً للعالم أن عثر المستشرق الفرنسي جبرييل فران، على المخطوطة وإعلانه أنها للملاح العربي الشهير الملقب بـ«أسد البحار»، لتخرج تباعاً 4 نسخ أخرى للمخطوط في عواصم مختلفة.

في أوروبا كانت بداية جديدة أن تصعد شهرة الملاح أحمد بن ماجد على مستوى العالم، فما قام به المستشرق الفرنسي جبرييل فران وبحكم خبرته مع المخطوطات، بدراسة مخطوطة «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» والكتابة حولها ونشرها بلغته الفرنسية التي كانت حينها اللغة الأولى ولغة الثقافة في العالم، ومنه عرف العالم من هو ابن ماجد، وكيف لهذا الغزير معرفة وعلماً أن يكون موجوداً قبل 500 عام أي في العصور الوسطى لأوروبا، وهو يتقن الملاحة في كل المحيط الهندي، الأمر الذي دعا المهتمين بعلمه ومن جميع أنحاء العالم إلقاء نظرة مختلفة على بلده رأس الخيمة، وحضور أرض احتوت ملاحاً جعل تاريخ البحر في الشرق والمحيط الهندي وآسيا معروفاً ومهيئاً للإبحار.

مخطوط ضائع

وخلال قرون الاحتلال البرتغالي والإنجليزي، حين كان ماء الخليج العربي مهدداً في موجاته بينهم وصراع وفوضى لا تعرف الاستقرار، لم يدرك أحد كيف انتقلت هذه المخطوطة إلى باريس، وخلال تلك القرون، وأستطيع القول اليوم إننا راضون عن المكان الذي آلت إليه المخطوطة، فبلا شك أن المكتبة ازدانت بها، وتم الحفاظ عليها وترميمها والتحقق منها وكتابة دراسات ومنشورات حولها.. وهذا أفضل بكثير من أن تتحول لأيادي تجار المخطوطات والبحث عمن يشتريها بأي ثمن، أو في يد من لا يعرف قيمتها العلمية.

جبرييل فران

ومن المهم هنا معرفة المستشرق جبرييل فران، الضليع في اللغة العربية واللغات الآسيوية، فقد لفتني قضاؤه معظم حياته كمستشرق في المحيط الهندي، وكدبلوماسي فرنسي في مدغشقر، رابع أكبر جزيرة في العالم، والواقعة قبال الساحل الشرقي الجنوبي لقارة أفريقيا، فتعلم لغة أهلها وكتب عنها الكثير، كما كتب طويلاً عن المسلمين في المحيط الهندي ونشر المخطوطات «المالجاشية» نسبة إلى مدغشقر... وكذلك المخطوطات العربية بعد طباعته كمخطوطة ابن بطوطة، ومخطوطة «مروج الذهب» للمسعودي ونشرهما، حتى بات معروفاً بهذا الأمر، ولا ينكر أحد أمر تخصصه.

أما عثوره على مخطوطة «الفوائد» لابن ماجد فكان مصادفة مع زميله في المكتبة وعثرا مع المخطوط 5، مخطوطات أخرى تعود لمؤلفات الملاح سليمان بن أحمد المهري، وهو أستاذ في علم الملاحة عند العرب كما ذكر محقق الكتاب حسن صالح شهاب، وأنه خليفة الملاح أحمد بن ماجد بعد أن كان تلميذه.

مكتبة الظاهرية

لكن بعد نشر فران قراءة لمخطوطة «الفوائد»، تبين بعد 10 سنوات، أي في عام 1922م، أن هناك نسخة لمخطوط «الفوائد في أصول علم البحر والفوائد» قابعة في أقدم مكتبة بالعاصمة السورية دمشق، وفي مكتبة الظاهرية العريقة، نسبة إلى الظاهر بيبرس سلطان مصر والشام في القرن الثالث عشر الميلادي الذي أمر ببنائها لتكون مكتبة في مدرسة.

مكتبة «إقبال أوال»

بعد سنوات أخرى، ظهرت في البحرين النسخة التي نعتبرها الثالثة لمخطوط «الفوائد» في مكتبة «إقبال أوال» لتاجر اللؤلؤ البحريني محمد علي التاجر الذي عمل بعد كساد اللؤلؤ على إنشاء مكتبته هذه في سوق المنامة عام 1913م، ولحبه الشديد للمعرفة والأدب، ضخها بالكتب المنوعة والمخطوطات لتناول أخبار الأدب.

مكتبة «الدحيان»

ظهرت النسخة الرابعة والأخيرة في الكويت في مكتبة الشيخ عبدالله خلف الدحيان، وهو الذي الذي لم يشغله البحر والغوص في البحث عن المعرفة من خلال مكتبة والده المعلم، ليترك قبل وفاته مكتبة ضخمة فيها الكثير من المخطوطات النفيسة وفي شتى العلوم، ووصى قبل وفاته بأن تكون المكتبة وقفاً للعلم.

أما مخطوط «الفوائد» فلم تظل في المكتبة بل تم ترحيلها إلى وزارة الأوقاف الكويتية، بهدف حفظها هناك، حتى قام الجغرافي الكويتي، رئيس مركز البحوث والدراسات في جامعة الكويت، د. عبدالله يوسف الغنيم عام 2004، بتصوير نسخة منها بهدف نشرها.

نسخة أوكسفورد

لكن حدث أن الجغرافي عبدالله الغنيم، ولأنه عضو في المجلس الأكاديمي الدولي لمركز الدراسات الإسلامية في جامعة أوكسفورد في بريطانيا، قال إنه وجد النسخة الخامسة لمخطوط «الفوائد» في مكتبة «البودليان» التاريخية في أوكسفورد، وهي من أقدم المكتبات الأوروبية، ليقوم بأخذ إذن التصوير للمخطوط للصفحة الأولى والأخيرة.

تحقق

وباستثناء مخطوط أوكسفورد فإن النسخ الأربع والتي في حوزتنا وهي مصورة قامت على إثرها دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي ومن خلال المحقق الجغرافي والباحث والمؤرخ اليمني حسن صالح شهاب من مواليد 1931م، بالتحقق حول هذه النسخ الأربع لكتاب «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» للعلامة أحمد بن ماجد عام 2013م.

وقد توفي المؤرخ والمحقق حسن صالح شهاب بعد هذا الكتاب، وبعد تاريخ حافل في التأليف وخاصة في تاريخ العلوم البحرية عند العرب، وخبرته في شرح أرجوزة تحفة القضاة نظم ابن ماجد، وهي مطبوعة ومنشورة لدى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وشرحه مخطوط ابن ماجد «النونية الكبرى» وهي مطبوعة لدى وزارة التراث القومي والثقافة بمسقط.

ومنذ إعلان الغنيم وجود النسخة الخامسة في أوكسفورد لم تظهر حتى الآن نسخ أخرى، فكان القرن العشرون قرناً حافلاً بظهور هذه النسخ المفقودة لتخرج بالأسئلة المتصلة بابن ماجد الملاح وعلمه البحري واختراعاته من خلال نصوص قل نظيرها.

12 فائدة مصنفة

يتضمن كتاب «الفوائد» فوائد جمة عن ظواهر البحر وأسراره، ففيه شرح لفوائد ملاحية دقيقة لكل البحار.. موضحاً فيه مؤلفه متى يتبع النجمة وكيف يقيسها ومتى يمضي منها وإليها، شارحاً كل نجمة وارتباطها، وكذلك الأبراج الفلكية مع شرح كل برج بالتفصيل.

«الفوائد» أشبه بخريطة «غوغل»

كتاب «الفوائد» يدهش كل من يتصفحه بدقة، فهو أقرب لخريطة جوجل في العصور الوسطى، كتبه ابن ماجد كعالم نبيل بقصد النجاة، ونكتب هنا نموذجاً لتعبيره وهو يكتب عن الأبراج الفلكية في الفائدة الثالثة عن بطن برج الحوت وطلوع منزلته بالفجر: «... وهو ناري سعيد، نجم أحمر دري للمنزلة في صورة الحوت على بطنه، ويسمى (الرشا) ولا له في دائرة السماء خن في بيت الإبرة، بل هو لمنزلة القمر، ويدخل في القياسات، ما له شبيه في غروبه وطلوعه مع (فؤاد الأسد) وهو نجم بين (سابع النعش) و(السنبلة)».

أين نسخة مكتبة التاجر؟

تتبعت مكتبة آل التاجر في البحرين، عن طريق الباحث البحريني محمد عبدالله آل علي، للسؤال عن النسخة البحرينية من مخطوطة الفوائد، وقد تم الاعتماد عليها في الحاشية كما ذكرنا. لكن هذه النسخة الثالثة التي تم العثور عليها فقدت بعد وفاة عبد الرسول التاجر.

2013

من مصادر هذا الموضوع كتاب «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» لشهاب الدين أحمد بن ماجد، الصادر عن هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في ذلك العام (2013).

1489

فرغ ابن ماجد من تأليف كتابه «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» في 1489م، أواخر القرن الخامس عشر، وكان يبلغ من العمر حينها بين 60 و70 سنة.

32

ابتدع ابن ماجد الأخنان التي جزَّأها إلى 32 جزءاً، كل جزء منها يسمى «خِنْ» بكسر الخاء وسكون النون، وجمعها أخنان، ولكل خِنْ من هذه الأخنان أسم من أسماء النجوم

اختلاف نسخة أبوظبي

الشاهد على كتاب «الفوائد» الصادر في أبوظبي لا بد من ذكر أنه بعد أن تم تحقيقه، ظهرت أخطاء في النسختين البحرينية والكويتية بسبب تجاوزات المحققين فيهما، كما تحقق حسن صالح شهاب أيضاً من تحقيق إبراهيم خوري للنسخة الدمشقية، لينشر دراسة نقدية عنه وتوجيب إلغاء أخطاء المحقق السوري إبراهيم خوري في الطبعة الأولى وفي جزء من الكتاب، لأنه ليس كلام ابن ماجد وإنما هو استرسال أشبه بالتمادي، وهذا يحدث من قبل النساخ عادة وفي أزمان بعيدة كما أن خوري لم يأت بدليل مقنع يثبت أنه قول ابن ماجد، إضافة إلى اختلاف المضمون في هذا الجزء مقارنة بالنسختين باريس ودمشق.

قام حسن شهاب بنشر هذه الدراسة في الجمعية الجغرافية الكويتية، وبعد هذا التاريخ من إفصاح ما توصل إليه تم حذف هذا الجزء من الكتاب في طبعته برأس الخيمة أيضاً كما أتى ذلك في المقدمة التي وضعها حسن شهاب في كتاب «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» الصادر عن هيئة السياحة والثقافة في أبوظبي.

وأخيراً، بقيت النسخة الباريسية والدمشقية هما النسختان الكاملتان مقارنة بالنسختين الكويتية البحرينية وما بهما من سواقط في بعض النصوص، كما قام إبراهيم خوري بحذف الجزء من كتابه في الطبعة الأولى بسبب عدم تأكده، ما دعاه إلى حذف جزء من كتابه.

وكان لا بد من التأكد والاشتغال على التحقق من هذا الأمر، فقد قام ابن ماجد بخدمة جليلة للبحارة، شارحاً للمبحرين جميعاً في هذا الكتاب العالمي كيفية النجاة أثناء الإبحار ومن أراضيهم البعيد.
 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات