في الوقت الذي تشهد فيه الترجمة قفزة نوعية واضحة في الغرب، يلوح في الأفق مشهد أقل سخونة، باقتراب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. تكهنات ومتابعات كثيرة لما يمكن أن يجري، خاصة لو وضعت الأرقام تحت المجهر.
ففي هذا البلد وحده، تصل أرقام مبيعات الكتب المترجمة إلى 5.5 %، فيما تصل مبيعات الأعمال الأدبية المترجمة إلى 20 %، وعلى الرغم من ذلك، فإن السؤال الذي قد يتبادر إلى ذهن القارئ، يكاد يكون محملاً بالقلق حول تلك العلاقة التي تربط اللغة الإنجليزية، بغيرها من اللغات الأوروبية، وحتى اللغات الأخرى، التي يشكل التعامل معها في مجال الترجمة مصدر ثراء ثقافي ومعرفي واقتصادي، تحت ظروف وقوانين هي الآن أكثر مرونة، خاصة إذا لاحظ القارئ أن هذه العلاقة قد بدأت تتجه نحو التراجع في مجالات ثقافية أخرى، منها، على سبيل المثال، ما يحدث في عالم الجوائز.
عزاء
لكن لو تساءلنا عمّا هو عزاء هؤلاء القرَّاء، فلا بد أن يسبق ذلك سؤال.. ما عزاء المترجمين، لا سيما أولئك الذين تربطهم بالمؤلفين علاقات لا حدود لها، سواء كان هؤلاء من كتاب الغرب أم الشرق، وسواء كانوا ممن يقيمون في نفس المساحة الجغرافية أم لا، للتدليل على أن ما بين المؤلف والمترجم رابط من الحميمية، هو في حد ذاته ثراء حقيقي، يدفع بعجلة نشاط مهم كالترجمة.
سام تيلور مترجم عن اللغة الفرنسية، ربما عرفه القارئ أكثر، لدى ظهور اسمه في القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر»، عن ترجمة رواية «أربعة جنود»، وهي رواية قصيرة للكاتب هوبرت منغاريلي، تقتفي الأحداث في منطقة بالقرب من الحدود «الرومانية»، في الأيام الأخيرة من الحرب الأهلية «الروسية»، كما أن لديه عدداً من الترجمات للروائية المغربية المقيمة في فرنسا، ليلى سليماني.
تيلور لم يلتقِ سليماني أو غيرها من الكتَّاب الذين قام بترجمة أعمالهم، كان يقوم بذلك عبر الإيميل، وبشيء من الارتياح لهذه العلاقة الإنسانية، تؤكد سليماني من جانبها، أنها مبنية على كونية الأدب، بغض النظر عن المكان الجغرافي الذي يعيش فيه الإنسان، إضافة إلى أن ما يمنح تلك العلاقة أهمية، هو الوعي لدى الآخر، المترجم، بما تكتب، والقدرة على التفاعل مع موضوعاتها حول المرأة تحديداً، وهو ما يظهر واضحاً لدى تيلور، الذي يمتلك مهارة اختراق روح النص، سواء كان باحتواء الشخصيات أسلوبياً في الكتابة، أو حتى في المفردات.
علاقة قوية
من جانبه، يرى تيلور أن الأمر يبدو مختلفاً قليلاً، لو نظرنا إلى العلاقة ما بين الأدبين الفرنسي والإنجليزي، إلا أن معظم اللغات الأوروبية، بما في ذلك الإنجليزية والفرنسية، تربطها علاقة قوية، بمجموعة من القيم الفلسفية والتاريخ المشترك، ما يؤكد حالة الانسجام والحميمية أثناء الترجمة.
وعلى الرغم من ذلك، فما زال هناك قصور، كما يرى في الترجمة، مع أن إحدى الدراسات التي قامت بها مؤسسة «مان بوكر» العالمية، كانت قد كشفت النقاب عن تغير إيجابي طفيف في الموقف، مع التوجه إلى إدراج لغات أخرى، منها «الصينية والعربية والآيسلندية والبولندية».
ومن المعروف أن في بريطانيا عدداً غير قليل من الجوائز المخصصة للترجمة، ترصد مكافآت مالية كبيرة، كتلك التي يقدمها «البنك الأوروبي للأبحاث والتطوير»، والتي تشمل الأعمال الفائزة من كل من دول «البلطيق، آسيا الوسطى، ودول الشرق الأوسط الأفريقية».

