حقائق مدهشة عن شعور الحيوانات بالحزن لفقدان أقرانها

تناقلت الصحف في أغسطس  2018 صورا لأنثى الحوت القاتل تحمل جيفة صغيرها النافق لمدة 17 يوما. وقبل عامين شوهدت أنثى شمبانزي في دار "شيمفونشي" لإيواء قردة الشمبانزي في زامبيا، وهي تحاول تنظيف أسنان ابنها بالتبني "توماس" بعد نفوقه، في مشهد وصف بأنه "طقوس جنائزية".

واشتهرت الأفيال بأنها تزور رفات أفراد عائلتها النافقين، وتربت على عظامهم وأحيانا تتأرجح للأمام وللخلف وكأنها تؤدي طقوسا دينية.

هل من الممكن أن تموت كمدا؟

والأغرب من ذلك، أن عالمة الحيوانات البريطانية جين غودال قد شاهدت صغير شمبانزي يدعى فلينت يموت كمدا بعد نفوق أمه بشهر واحد، إذ بلغ به الحزن والجزع حدا جعله يُضرب عن الطعام وينعزل عن الآخرين حتى نال منه الوهن وفارق الحياة وفق بي بي سي.

وتقول باربرا جيه كينغ، أستاذة الأنثروبولوجيا المتقاعدة بجامعة ويليام وماري البحثية بولاية فيرجينيا، ومؤلفة كتاب "كيف تحزن الحيوانات لفراق أقرانها": "إن الحب والحزن ليسا حكرا على البشر، بل إن الكثير من الحيوانات تعتريها هذه المشاعر".

أحجم العلماء والفلاسفة عن وصف السلوكيات التي تبديها الحيوانات عند فقدان أقرانها بأنها تعبير عن "الحزن"، خشية تشبيهها بالإنسان.
وذكر داروين أن الحيوانات، شأنها كشأن البشر، تنتابها مشاعر عديدة، مثل الفرح والحزن. وسجل بلينيوس الأكبر، عالم الطبيعة والفيلسوف الروماني، قصصا لأفيال تحزن على موتاها.

لكن العلماء والفلاسفة كانوا مترددين طيلة القرنين الماضيين في وصف السلوكيات التي تبديها الحيوانات عند نفوق أقرانها بأنها تعبير عن "الحزن" خشية تشبيهها بالإنسان.

وهذا ما دفع كينغ إلى وضع معيارها الخاص لوصف الحيوانات بأنها تحزن، إذ تقول: "إذا شوهد الحيوان الذي فقد حديثا أحد أقاربه، منزويا أو مضربا عن الطعام أو محروما من النوم أو لم يسلك الطرق التي كان يسلكها في المعتاد أو أبدى سلوكيات تنم عن الحزن، فيمكننا الجزم بأن فقدان المقربين يستثير استجابة وجدانية لدى جميع الحيوانات".

وقد زادت الأدلة العلمية التي تؤكد شيوع مشاعر الحزن بين الحيوانات لفقدان أقرانها على مدى العقد الماضي. واقترح بعض العلماء تخصيص مبحث جديد لدراسة تطور السلوكيات المرتبطة بالموت، بهدف دراسة الموت والفناء من منظور تطوري. ولعل هذا يدعونا للتساؤل: لماذا نشعر بآلام الفراق؟

ويتصرف البشر والحيوانات عندما يتملكهم الحزن لفقدان المقربين بطرق مختلفة قد تعرضهم ببساطة للموت، فبعض الحيوانات تنزوي وتمتنع عن مخالطة غيرها وتعزف عن النوم والأكل وحتى الصيد والتزاوج. وإذا أمضت وقتا طويلا بجانب الجيفة، قد تعرض نفسها للأمراض وتصبح فريسة سهلة للحيوانات المفترسة.

في حين أن حزن البشر لموت أحد المقربين قد يكون أكثر استنزافا للطاقة والوقت والمال، بالنظر إلى مساحات الأراضي التي نخصصها لدفن الموتى، وتكاليف الجنائز، وما يعترينا من آلام الفراق.

وقد نمر بتجارب مؤلمة عديدة على مدار حياتنا، لكن الألم البدني، من حرق أو جرح سطحي، قد تطور لدى البشر ليساعدنا على الابتعاد عن مصدر الألم. وفي هذه الحالة يكون الألم مفيدا.

ولهذا قد يموت أغلب الأشخاص الذين لا يشعرون بالألم مبكرا، تأثرا بالجراح أو العدوى. لكن ما الذي سنستفيده من ألم الفراق، بخلاف الانكفاء على الذات وقلة النوم وفقدان الشهية؟

ويرى بعض العلماء أن دراسة استجابة الحيوانات لنفوق أقرانها قد تساعدنا في فهم ظاهرة الحزن على موت المقربين.

وذلك لأن مشاعر الحزن على الفراق لا تقتصر على الثدييات من رتبة الحوتيات أو الرئيسيات، بل وثق علماء بعض الأدلة على أن الفقمات وخرفان البحر وكلاب الدنغو الاسترالية والأحصنة والكلاب والقطط الأنيسة وغيرها تحزن لنفوق أٌقرانها.

إذ شاهد العلماء 27 زرافة محتشدة حول صغير زرافة نافق وكأنها تمارس طقوسا خاصة، ومجموعة أفيال من خمس عائلات مختلفة تزور رفات أحد أقرانها النافقة، ومجموعة من 15 دلفينا تسبح بتمهل لمرافقة أنثى دلفين تحمل صغيرها النافق. كما وثقوا حالة عجيبة لبطتين ربطت بينهما صداقة قوية، وعندما نفقت إحداها، وضعت الأخرى رأسها على رقبة صديقتها النافقة لساعات.

تقول دكتورة كايلي سويفت، التي راقبت استجابة الغربان لنفوق أقرانها في بيئاتها: "أردنا أن نجري دراسات تجريبية لمعرفة أهمية استجابة الحيوانات لنفوق أقرانها من الناحية التكيفية". ولاحظت سويفت أن الغربان كانت تطلق في الغالب صيحات إنذار وتحشد غيرها من الطيور استجابة لنفوق أقرانها من الغربان، وهو ما يطلق عليه "استجابة الخطر".

يعد حمل جيفة الصغير، رغم غرابته، سلوكا شائعا للغاية بين الرئيسيات. ولوحظت فصائل عديدة من القردة التي تنتمي إلى رتبة الرئيسيات تحمل جيف صغارها لأسابيع أو لشهور.
هل يعبر البشر والحيوانات عن حزنهم بنفس الطريقة؟
تقول سويفت: "قد يساعدنا الاهتمام بموت الآخرين في التعرف على الأسباب التي قد تقودنا للهلاك حتى نتلافاها. وتكمن أهمية الدراسات التي نجريها في أنها تساعدنا في فهم تطور السلوكيات المرتبطة بالموت من حالتها البدائية إلى ما نراه اليوم لدى البشر من مشاعر وطقوس وعادات".

وعلى غرار البشر، تختلف استجابة الحيوانات لفقدان أقرانها من حيوان لآخر ومن فصيلة لأخرى، فالحيوانات الاجتماعية بشكل عام تبدي سلوكيات قد توصف بأنها تعبير عن الحزن.

وليس من المستغرب أن تجد الدلافين والحيتان، المعروفة بأنها ذكية واجتماعية، ترعى أفراد السرب النافقة، سواء عن طريق حمل جيفتها أو جرها، أو قد تبدي سلوكيات تلقائية، مثل رفع الجيفة وغمرها في الماء، وكأنها تساعدها على التنفس، أو ربما الدوران والغطس بها.

ويقول جون غونزالفو، من مشروع "أيونيان" الممول من معهد "تيثيز" للأبحاث، إنه رأى مرتين مجموعة دلافين قارورية الأنف ترافق أنثى دلفين تحمل جيفة ابنها لعدة أيام، ومرة أخرى شاهدها تحاول إنقاذ صغير دولفين كان يحتضر بإبقائه طافيا، ومكثت في المكان لفترة بعد نفوقه.

ويرى دكتور غونزالفو أن هذه الدلافين التي تحمل جيفة صغارها لعدة أيام كانت تحتاج وقتا للتغلب على أحزانها وتقبل فكرة فقدان صغارها حديثي الولادة الذي كان مفاجئا وغير متوقعا. في حين أن الدلافين في الحالة الثانية شعرت بارتياح لنفوق الدلفين حتى تمارس حياتها كالمعتاد، بدلا من حمل الجيفة لأسبوع آخر.

ربما يبدو حمل جيفة الصغير سلوكا غريبا، لكنه شائع للغاية بين الرئيسيات. فقد راقب العلماء فصائل عديدة من القردة التي تنتمي لرتبة الرئيسيات تحمل جيف صغارها لأسابيع أو لشهور، وفي حالات قصوى، حملت الأمهات جيف صغارها حتى تحنطت تماما بفعل الحرارة، أو لم يتبق منها سوى هيكل عظمي أو عمود فقري.

وبعض الرئيسيات قد تعبر عن حزنها لفقدان أقرانها بطرق أخرى، مثل الاعتناء بالجيفة أو تنظيف أسنانها أو تلمسها برفق وأحيانا قد تبدي سلوكيات عدوانية مثل جذب الشعر أو محاولة امتطائها أو حتى التهامها.

تقول كينغ، التي راقبت الشمبانزي وقرد البونوبو والغوريلا وغيرها من الرئيسيات لسنوات: "شاهدت بعض القردة ترعى جيف أقرانها برفق وحنان، لكن بعض ذكور الشبمانزي قد تتصرف بعدوانية في بعض الأحيان. وتختلف سلوكيات القردة، كشأن البشر، باختلاف السمات الشخصية ودرجة القرابة من المتوفى".

ويقول إدوين فان ليوفين، من معهد ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي الذي وثق تنظيف أنثى الشمبانزي لأسنان جيفة ابنها بالتبني: "يعد الموت واحدا من أشد الفواجع وطأة على الحيوانات الاجتماعية. فعندما يموت أحد البالغين، على سبيل المثال، يسعى أقرانه لإقامة روابط اجتماعية معه بأشكال مختلفة. وقد يساعد القطيع بأكمله أما فقدت صغيرها للتعبير عن الترابط الاجتماعي".

وتقول دورا بيرو، من جامعة أوكسفورد: "إن السلوكيات المقترنة بفقدان المقربين ليست فطرية، بل نكتسبها من خلال التجارب التي نمر بها. فإن الأطفال مثلا يحتاجون لسنوات طويلة لاستيعاب فكرة الموت".

ويقول غونزالفو إن الحزن لوفاة المقربين قد تطور لدى الحيوانات والبشر كوسيلة للتأقلم مع فكرة الرحيل بلا رجعة. إذ تحتاج الحيوانات الذكية والبشر فترة لاستيعاب فكرة الفراق. أو بعبارة أخرى، إن الحزن هو الثمن الذي ندفعه مقابل الحب.

وليس من المستغرب أن تزخر المواقع الأثرية برسومات للموتى، وابتدعت الشعوب والقبائل المختلفة طقوسا لا حصر لها للموت، بداية من الجنائز وحتى الدفن، وزينت النعوش وشيدت الأهرامات. ويعيش أفراد قبيلة توراجا الإندونيسية مع الجثة المحنطة لأسابيع تحت سقف واحد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات