الكتابة لدى رائد القصة القصيرة في الإمارات، عبد الله صقر، ليست أمراً حيادياً، يدخل فيه المرء أو يخرج منه دون عواطف يحركها الانتماء الثقافي، والوجدان الإنساني؛ إنها، بالنسبة له، مزيج من تركيبة إنسانية تهوى طريق الحرية. وهي، كذلك، انتقاء القلب للحب، والنفس للشغف. وهنا، القلم والإبداع يتنفسان بعيداً عن الإكراه والقهر، ويستسلمان طواعية لأنامل يد كاتب رائد، جريء.
منظومة تراكمية
الكتابة هي منظومة تراكمية، تشكلت من اهتمامات ناضجة لدى الكاتب، قادته إلى تجربة ريادية أولى؛ وهي قطعة من الاختزال الإنساني لقصص التمرد والهروب إلى الحلم، والطموح، والحياكة باستخدام نسيج غير اعتيادي، الأفكار والصور واللغة معاً.
اللغة التي تمهد للمستقبل دون صراع أو دمار، وعبر وصف يأخذ القارئ إلى عوالم تشبهه، وطريق لا تقاس بالأطوال والمسافات، ولكن إعادتها الإنسان إلى لحظة إعمار شتات ذاته.
حضور عبد الله صقر، مساء أمس الأول، في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة، عدّه المشاركون من أدباء وكتاب وصحفيين «حضور زمن جميل، وبدايات رائعة»، لذا، سألوه بإلحاح: لماذا صمتّ طويلاً بعد «الخشبة»؟! ويقصدون مجموعته القصصية، التي قدمت نفسها للقراء بعد احتجاب دام قرابة ربع قرن، وقادت صاحبها إلى الصمت، والصمت، بطبيعة الحال غياب.
«أنا وأبي»
«الكتابة لم تكن وليدة الصدفة»، قال الكاتب عبد الله صقر وأوضح، «لقد تعلمتها وأتقنتها منذ كنت صغيراً. وتحديداً عندما فقد والدي بصره، وكان عمري آنذاك ثلاثة عشر عاماً، وربما أصغر قليلاً. والقراءة كانت ملاذنا معاً، أنا وأبي، فإذا كان أبي يقرأ وتوقف أكملُ له لتنطلق ذاكرته بالكلمات من جديد. من هنا، زاد شغفي بالسرد والكتابة، رغم جملة التحديات المحيطة».
تجارب أخرى
وزاد عبدالله صقر، الذي قاده الصمت إلى الغياب عن المشهد الأدبي والانتساب إلى مشهد آخر: «صدرت مجموعتي القصصية «الخشبة» نوفمبر العام 1975. وهي قصص ذات بعدُ واستشراف للمستقبل مع تجارب متعددة يعيشها بطل القصة. كانت لي، بالطبع، تجارب أدبية أخرى، بعضها لم يرتق للنشر. وهذا يعني أنني لم أصمت، لكن بعض التجارب لم «ترتق» لمستوى النشر. وعموماً لي إصدار آخر هو «اغتراب في زمن مشلول» يعود على العام 1975 ذاته.
ويصمت عبدالله صقر للحظة، ثم يقول: أتمنى، بالطبع، العودة إلى الكتابة.
أسئلة ومداخلات
في سياق المداخلات، التي أثارها حضور عبدالله صقر، ورداً على سؤال طرحه د. محمد حمدان بن جرش السويدي، أمين عام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، حول ما إذا كان لدى الكاتب الرائد أعمال أدبية سترى النور قريباً، قال الكاتب إنه لم يتوقف عن الكتابة، وله تجارب قصصية وشعرية عدّة، وإنه دائماً ما يستدعي أفكاره في فترة السبعينات.
وهذا السؤال، والرد عليه، كانا مناسبة ليقول: لا أريد أن أبقى عالقاً في السبعينيات.
رواد القصة
في سياق آخر، وصف عبد الفتاح صبري، الناقد والقاص عبد الله صقر، بالكاتب الكبير والمؤسس لفن القصة بدولة الإمارات، وأن من يقرأ مجموعة «الخشبة»، يدرك أنها لم تكن لتولد بهذا النضج إلا لأن تجارب كتابية قام بها المؤلف وقفت وراءها.
مشيراً إلى أن المجموعة القصصية ما زالت تفرض نفسها على ساحة الأدب، لا سيما أن كل الكتابات التي جاءت لاحقاً، رغم جودتها، «تعاطت مع التقليدي»، معتبراً أنه أحد المؤسسين الرواد لفن القصة، إلى جانب آخرين منهم مظفر الحاج، وعلي عبيد.
وتحدث المؤلف والأديب ناصر العبودي قائلاً إن لقاء عبد الله صقر هو «لقاء مع التاريخ»، ولقاء قامة هامّة لرجل متواضع، أصدر مجموعته القصصية في فترة مبكرة، لم يكن عدد الكتاب الإماراتيين وقتها يتجاوز أصابع اليد الواحدة وهذه تحسب لسيرته.
نص رصين
الندوة، التي أدارها محسن سليمان مسؤول نادي القصة في الاتحاد، أثارت سؤالاً آخر: هل استطاعت مجموعة «الخشبة» أن تقدم نصاً رصيناً متماسكاً؟
الإجابة عن هذا السؤال، جاءت من خلال تفاعل الحضور الندوة الذين أكدوا أنها كانت العمل الأبرز الذي عبّر عن واقع الأمة في حينه. وأنها لم تعتمد على سياقها التاريخي، بل على النضج الفني.
ووصفها الحضور، كذلك، بأنها «تجربة فنية كاملة» استشرفت المستقبل، بل وفتحت باباً مهماً عن تمرحل القصة في الإمارات ما بين بداية قوية، فنكوص، ثم بداية أخرى مطلع الألفية لكاتبات إماراتيات أرسين بداية جديدة لهذا الفن في الدولة.
يمكن أن يصمت عبدالله صقر، ويواصل الغياب عن الحقل الأدبي، غير أن المشهد الثقافي في الدولة لن يكف عن تذكر «الخشبة»، المجموعة القصصية التي حفظت غيبة صاحبها.
سيرة
عبدالله صقر من مواليد دبي عام 1952. عضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات منذ العام 1987. مجموعته القصصية «الخشبة» أول مجموعة قصصية تصدر لكاتب إماراتي. كتب المقالة والشعر النبطي، بالإضافة إلى الاحتراف الرياضي، وقد بدأ في هذا المجال لاعباً، ثم مدرباً، ثم مديراً لأكاديمية رياضية.
