«لطالما كان الخزف عبر العصور من أجناس الفنون ذات الجذور التاريخية وذات المكانة المميزة بين الأجناس الفنية الأخرى محلياً وعالمياً، ويعد امتداداً طبيعياً لذلك الإرث الحضاري الفني وللتجربة الجمالية في فن الفخار والخزف منذ الأطوار الحضارية الأولى، والذي حمل دلالات في سماته التعبيرية التي تعكس فلسفة الحياة ورؤيتها وما وصل إليه الإنسان من فهم لأسرار الوجود». هكذا عبر الفنان الإيرلندي والفنون المشارك في الجامعة الأمريكية بدبي مايكل رايس المتخصص في الخزفيات، عن علاقته الوطيدة بهذا الفنان خلال معرضه المؤسسي المنفرد الأول «جيو-» الأرض ومواردها والمستمر حتى 10 أغسطس المقبل.
تراث جوهري
ويوضح رايس: تتمتع الإمارات، مثل العديد من البلدان الأخرى في المنطقة، بتقاليد حرفية مزدهرة بما في ذلك صناعة الخزف حتى اكتشاف النفط. ويهدف ذلك إلى إعادة إحيائها إلى ما كانت عليه من تقاليد حية مزدهرة، حيث إنه يرى أن هذا المعرض والمقام في «جزيرة العلم 1971- مركز للتصاميم» جزء من تلك التقاليد، حيث روى المظهر العام للمعرض موضوعات ذات طابع جوهري تسلط الضوء على جماليات النحت والتصميم ذات الصلة بالصيغة الكلية، والملمس، والانسجام، والتناظر والنمطيات، والفسيفساء، والفوضى والترتيب وكيف أن توازن كليهما مهم.
عوالم رمزية
ويؤكد رايس أن البيئة المحيطة من أهم عوامل التعبير في العمل الخزفي وذلك لما تضمه من رموز ودلالات. لفتت نظر الإنسان إلى بلاغتها في التعبير عن الأفكار ونقل المعاني والدلالات منذ أقدم الحضارات والعصور، فالإنسان لا يعيش في عالم الأشياء إنما يعيش في عالم رمزي، كما أن الأشياء لا قيمة لها في نفسها فقط إنما في مدلولاتها الثقافية التي يسقطها الفنان عليها.
وما يمتلكه الفرد من خصوصية في تركيبته النفسية والبيولوجية ومن ثقافة، تحدد طبيعة تعامله مع معطيات ومواد هذه البيئة أو تلك، والتي قد تقترب وتتشابه في بعض الأحيان إلا أنها تبقى خاصة بكيفية تأويلها وتفسيرها لهذه المعطيات، لذلك كانت زيارتي إلى متحف اللوفر في أبوظبي ومركز مليحة للآثار إحدى أهم المحطات الأساسية التي استندت إليها في تقديم أعمالي الحديثة باستخدام الخزف مع إبراز تركيبها بالضوء.
خيال الذاكرة
ويشير رايس إلى أن البيئة الإماراتية تستحوذ على اهتمامه كفنان مقيم وأستاذ للفنون، فهي غنية بالهيئات ذات الدلالات المتنوعة، ودوري كفنان يكمن في تحوير وتغير هذه الهيئات بما يتماشى وغايته التعبيرية فبفعل الخيال يستعيد ما اختزنه في ذاكرته عن هذه الإشكال ليجسدها في خامته محاولا التقرب أو الابتعاد عما شاهده، وتكون صلة الفنان بما يحيطه من خامات محكوم بخلق علاقة ترابطية مع شكل وبنائية الفكرة المبتغاة مستغلاً الباعث التعبيري لهذه الخامة والمقترن بأحكام سيكولوجية، ومن هنا يأتي ولعه بالأرض ومواردها.
أثر بيئي
يوضح رايس أن المعرض المقام بإمارة الشارقة في «جزيرة العلم 1971 - مركز للتصاميم»: «يتناول الطابع الجوهري للأرض من وجهة نظري كصانع خزف وفنان أيرلندي مقيم في دبي ويتضمن أعمالاً مستوحاة من زيارتي إلى مركز مليحة للآثار، ومتحف اللوفر أبوظبي، وتحمل في تراكيبها الفنية العديد من اللمسات المعرفية بالبيئة المحلية المغرقة في القدم والتي تعرض آثاراً من حقب زمنية عدة بدءاً من العصر الحجري القديم، والعصر الحجري الحديث، والعصر البرونزي، والعصر الحديدي، والعصر الجاهلي (فترة ما قبل الإسلام)، والعصور الإسلامية الحديثة، وتقدم هذه الأثريات دليلاً بارزاً على تأثير الحضارات العالمية الأخرى على صناعة الفخار، والفن، والمجوهرات».
سمات
وحول تكوين الخزف كجنس فني يقول رايس: بطبيعة الحال يشتمل هذا التكوين الفني على عناصر متعددة تخضع، لمتطلبات المادة وضروراتها ويشتمل على علاقة تبادلية ما بين المؤثر البصري والذائقة التي تتحكم في إنتاج الصورة الفنية وكل هذا يحدد الدلالات والسمات التعبيرية لفن الخزف، لا سيما وأن سمات معرفية وقصدية تتصل بالفن بشكل عام وتتحدد بالخزف ضمن قوانينه التقنية بشكل خاص، فضلاً عن أن سمات الصورة الشكلية في الأعمال الخزفية تتضمن انعكاساً ذهنياً للواقع والبيئة. ويؤسس من خلاله الفنان أشكاله الخزفية وأعماله الفنية.

