في أبيات تطارد صور وجوه بشرية تحدق من شاشات لا متنهاية، تنظم الشاعرة، سالي ون ماو، قصائد ديوانها «أوكليوس»، الذي اقتبست عنوانه من الكلمة اللاتينية التي تعني «العين»، وهي الوجوه التي ترسمها الشاعرة كشاشات يبسط عليها العالم تخيلاته ومخاوفه. فالعين في كل مكان، ولكن الهوة تبدو عميقة بين الرؤية والقدرة على فهم كلية الصورة، وتكتب ماو: «قصص حياتنا ليست لها وجوه».

في ثقافة مليئة بالصور، تنغمس أشعار سالي ون ماو، وذلك نيابة عن ما تطلق عليه "الذات التي تريد إخفاءها" و"الشيء الجميل الحزين المفقود ما وراء الصور"، ليبدو أن طبيعة الصور التي نقلها موقع "انستغرام" في 2014، كانت السبب في إلهام سالى ون ماو، لإصدار ديوانها الثاني، فقد وثقت تلك الصور لمحاولة انتحار فتاة في شانغهاي، وتصور حطام الفتاة بعد انفصالها بقدميها المتدليتين من نافذة غرفة نومها فوق المدينة، حيث تكتب ماو عن تلك الفتاة "الميتة" التي "تغذي" الصورة: (يا له من سقوط للفتاة الميتة، بانتظار يد أن تمسك بها.. وأعين تعشقها، فيما الأضواء تستمر في النقر.. وفيما تقف لالتقاط صورتها، الرموش الطويلة كلها رطبة، الساقين مستدقتين، والإشراقة كالأشواك. إنها عيون الغرباء المتلصصة على الجانب الآخر من العالم، داخل منزلها وحياتها المتخيلة، وربما الزائلة، لتضيء حياتهم).

كلاسيكية

في قصائد ماو تكبر المرارة، ومن خلالها تحاول أن تقدم أشعاراً بديلاً لصورة الذات، وهذا الإلغاء الحاد للشخص إلى مجرد التقاط صور جميلة. وهي تنتقل في قصائدها لتقدم صورة أخرى عن نجمة سينمائية أمريكية صينية، هي ماي وونغ، التي اشتهرت في أفلام هوليوود في عشرينيات القرن الماضي. وفي تلك "الأصوات الصامتة"، تكتب ماو: "كان عليها أن تتزوج وفاتها السينمائية"، كما الشخصية التي مثلتها، في فيلم (ذا تول أوف ذا سي) عام 1922، وليس بعيداً عن المرأة في انستغرام، بعد مرور قرن من الزمن تقريباً.

المفارقات المتجسدة في هذا العالم، بألوانها، وما تمثله من هروب وفناء وخطر وشفاء، سوف يبرز في شعرها باللون الأبيض، لون الممحاة. وقد نسجت ماو، الممثلة في مخلوق بري، بآلة من زمن تركب مذنباً إلى المستقبل، حيث تلتقي ببروس لي، وتتسكع بقرب "تشانكينغ إكسبرس"، وتشهد على الأدوار الثانوية في "الساموراي الأخير" و"كيل بيل" و"مذكرات غيشا"، و"وبكام غيرل"، لتأدية دونيتها بالشكل الأكثر كلاسيكية. لكن وونغ تولد من الجديد على الشاشة، وتتضاعف شخصياتها، وتتحول إلى"باندا أرجوانية"، وضبع بشكل مؤثر مخلوق بحري، يرتدي فساتين مصنوعة من أعشاب البحر. ليس تجسيداً واحداً يولد تلك الإثارة، بل مرونة النفس المبتهجة بحريتها.

متحف غوغنهايم

ماو تحتفي بالمخيلة، كقوة يمكنها تحويل الجسد، بالطريقة نفسها التي يغير المراهقون جلوداً من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنها تعي أن هذا التحول ليس دائماً، ففي أشعارها، يتعفن الجسد الحيواني، بعد حصد الجوائز. ومع اقترابنا من نهاية الكتاب، هذه المرة تتحول إلى متحف غوغنهايم في 2017، مع أداء سولانج نولز أمام المعجبين، الذين سلموا هواتفهم على الباب، وارتدوا الأبيض، وفقاً لتعليماته. وتستحضر المشهد تحت ضوء سماء الكوة الكبيرة، المليء بالفرح والتحول، لكن معزول ومحاصر، حيث تبدو الأجساد في الصور مفككة إلى مساحات بيضاء، دون تمييز. كان الأداء طريقة للخروج بعيداً عن دائرة وسائل التواصل المستهلكة للذات، في مشهد كأنه يستحضر شعر ييتس: "أيها الجسد المتمايل مع الموسيقى، يا للنظرة المشرقة، كيف يمكننا أن نفرق الراقص عن الرقصة؟".