مرّ الفنان الإماراتي عبدالقادر الريس بـ 50 عاماً من الفن، اختبر خلالها الواقعية وتحرر منها إلى الانطباعية، وصولاً إلى الحروفية والتجريد، تاركاً سيمفونيته اللونية، تتحرر من كل التفاصيل باتجاه التجريد المطلق، الذي كان يظهر في مرحلة الانطباعية على استحياء في العديد من اللوحات، التي رسم بها مواضيع عدة شديدة الواقعية، حيث لم يجد حرجاً في ترك انطباعاته اللونية متحررة بجانب شكل مكتمل التفاصيل.
الضوء والظل
في المعرض الاستعادي، الذي تنظمه دائرة الثقافة والسياحة في منارة السعديات في أبوظبي، لغاية 23 مارس المقبل، قسم معرض الفنان عبدالقادر الريس إلى ستة أقسام وكل قسم منها يعبر عن فكرة معينة ميزت تجربة من تجاربه بدءاً من قسم «اللوحات التشخيصية الأولى» وخلالها ظهرت «البورتريهات» التي رسمها الريس منذ اهتمامه بالفن عندما انتقل من دبي إلى الكويت، في أواخر الخمسينيات مع أخته الكبرى بعد وفاة والده.
وقد قسمت الوجوه التي رسمها إلى قسمين منها «اسكتشات» بقلم الرصاص، تمثل صورة شخصية له رسمها بالمرايا، ومنها الصور الشخصية التي رسمها بالألوان الزيتية، تحت وطأة تأثره بفنانه المفضل الهولندي «رامبرندت» (1606- 1669) حيث تميز في رسم الضوء الطبيعي والظل.
قدم الريس في تلك المرحلة لوحة شخصية تمثل صورته شاباً، بالألوان الزيتية على الكانفس، وكان ذلك في العام 1970، حيث تبدو اللوحة وكأنها مسحوبة من زمن الكلاسيكات بالإطلالة التي اختارها الريس وبخلفية اللوحة التي يتصارع فيها الضوء والظل، وبقي من تلك الفترة لوحات زيتية أخرى بذات الأسلوب مثل «صورة جانبية» تعود للعام 1966 وتمثل صورة جانبية لفتاة، و«عبيد» و«موزة» وتعود للعام 1973 وهما طفلان يعيشان بذات «الفريج» الذي يعيش فيه الريس، وكانت تلك المرحلة قبل أن يتوقف على إنتاج أعمال فنية من العام 1974 ولغاية 1982.
المربع
من أكثر ما يميز تجربة عبدالقادر الريس، رسمه لطبيعة الإمارات، ومعالمها التاريخية، وكأنه يحفظ تفاصيلها في لوحاته في مواجهة أي تغيير، وقد توزعت مثل هذه اللوحات في قسم «الوطن» وتميزت بأنها جداريات مرسومة بالألوان المائية وهو من الصعب أن تتواجد هذه المساحات في تجربة فنان آخر، إذ جرت العادة رسم اللوحات المائية على مساحات صغيرة.
وفي هذه اللوحات استطاع الريس أن يشبع لوحاته بالجمال والفكر، وأبدع في رسم الأبواب مثل لوحة «الماضي والمستقبل»، التي تعود للعام 1989 وفيها رسم أحد الأبواب القديمة بكل زخارفه وتفاصيله، مفتوحاً على فضاء غير محدود تتوزع بثقة على امتداده أشجار النخيل التي ترمز للإمارات، مع إبراز الضوء الساطع الذي يتميز به المستقبل، وتظهر في هذه اللوحات المربعات المتلاشية في كل مكان من اللوحة.
الأرض والسماء
في قسم «الأرض والسماء» يتابع الريس رسمه لطبيعة الوطن، من خلال سلسة «ذكريات» مستخدماً ذات المجموعة اللونية التي تميزه في اللوحات الأخرى، وهي تدرجات نتجت عن مزج الألوان الأساسية ليحصل على التدرجات اللانهائية التي تنتج عنها، وتتشبع بها مساحات لوحاته الكبيرة، التي جسد فيها الجبال والصحاري الرملية والواحات والنباتات والبحر والسماء بعيداً عن البنايات الشاهقة، حيث الطبيعة الثرية التي تتحدث عن نفسها، وحيث الريس كان مخلصاً بفنه حتى أدق تفصيل فيها.
ومن جديد يطل الأشخاص في أعمال الريس في قسم «الزمن والناس»، إذ استخدم الرسم وسيلة للتعبير عن تصاعد وتيرة الأحداث السياسية في العالم والتي تشمل القضية الفلسطينية منذ زمن النكسة وحتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987 ومن خلال لوحة «الانتفاضة» المعارة من المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، يجسد الريس طفلاً يستخدم الحجر سلاحاً في وجه المحتل، واللافت في هذه الأعمال استخدام الفنان الإماراتي للمربعات التي أصبحت علامة تميز الكثير من لوحاته كما تتميز بتوقيعه.
تحرر
يتحرر عبدالقادر الريس في قسمي «انطباعات وتجريديات» و«حروفيات»، من التفاصيل التي تدل على الواقع، وظهرت ألوانه متلاشية بشكل حر، لتأخذ شكلها النهائي كخلفية لحرفه العربية التي يعبر من خلالها عن الهوية والثقافة التي ينتمي إليها بطريقة مجردة، وقد بدأ بسلسة حروفيات منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، معتمداً على الحروف (و) لعقد من الزمن تقريباً، رسم من خلالها عدداً كبيراً من اللوحات المائية التي تضم هذا الحرف فقط، لإيقاعه المختلف عن بقية الحروف.
ومن الناحية الجمالية هو حرف مرن، يمكن أن ينحني ويتمدد في اللوحة بطريقة تشبه الأفق.

