من الابتكارات الثورية التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية، هناك تكنولوجيا الواقع الافتراضي والواقع المعزز، اللذان يمثلان طريقتين لعرض مضمون ما، بحيث يمكن مشاهدة هذا المضمون وربما التفاعل معه، بطرق مختلفة كلياً، وفيما يتطلب الواقع الافتراضي الانغماس بالكامل في العالم الرقمي، يسهم الواقع المعزز في الإضافة على مشاهدتنا «للعالم الحقيقي»، وفي كلتا الحالتين، فإننا نطلع على تجارب مثيرة كانت منذ مدة تعتبر من نسج الخيال.

وكان الإهتمام بتكنولوجيا العالم الإفتراضي يزداد زخماً منذ عام 2012، مع احتدام المنافسة بين المطورين على ابتكار خوذات رأس وألعاب ومنتجات وتطبيقات منافسة، لكن المستهلكين حتى هذه اللحظة لا يزالون مترددين حيال شراء منتجات تلك التكنولوجيا، التي كانت تحقق نتائج أفضل في مجالات تتعلق بالتدريب والتعليم والرعاية الصحية، منها في مجال الألعاب حيث يجري تركيز الشركات.

يقول المحللون إن تبني المستهلكين لمنتجات تكنولوجيا الواقع الافتراضي وتطبيقاتها يظل متواضعاً، ولا يزال هناك شوط طويل أمام تلك التكنولوجيا قبل أن تنتشر على نطاق واسع، على الرغم من تراجع أسعار أدواتها نسبياً، كخوذات الرأس والمجسات وأجهزة التحكم التي تسمح باستكشاف العالم الاصطناعي للواقع الافتراضي.

أما السبب وفقاً لمجلة «إيكونوميست» فيعزى إلى المضمون المخيب للآمال، كما إلى الأجهزة التي لا تزال مربكة وغالية الثمن أكثر من اللزوم، فيما لا تزال خوذات الرأس غير الموصولة باشرطة، والتي يؤمل أن تقدم تجربة انغماسية غنية بعيدة المتناول.

نظرة تاريخية

وكانت التكهنات بشأن إمكانيات تكنولوجيا الواقع الافتراضي الهائلة تنمو تدريجياً منذ التسعينات، ويشير الكاتب مايك سكابينكر في «فايننشال تايمز»، إلى محاولات عدة لتطوير الصناعة في السنوات الماضية، كاختراع دراجة لصالة ألعاب رياضية مع رسومات غرافيكية ثلاثية الأبعاد تمنح الرياضي انطباعاً بأنه يقود الدراجة صاعداً الجبال ومخترقاً المباني، لكنه يشير إلى محدودية تأثير هذا الاختراع بعد أن تبين أن الرسومات غطت نسبة 60% من الرؤية في صالة الألعاب، وأن اعتمار شاشات محمولة على الرأس يسبب الدوار بعد مرور 20 دقيقة على استخدامها.

ما كان لافتاً خلال تلك العقود الثلاثة، يقول ساكبينكر، هو تطور الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية من الهواتف المحمولة وبرامج التواصل والملاحة عبر الأقمار الاصطناعية والتسوق عبر الانترنت، من دون الواقع الافتراضي. وهذا طرح تساؤلات بشأن تلك التكنولوجيا، وما الذي نريد تحقيقه من الواقع الافتراضي؟

تجربة غير مرضية

يقول ساكبينكر إنه من الأهمية بمكان أن يضعنا الواقع الافتراضي في بيئة تشعرنا بأنها حقيقية، مثلاً أن نكون قادرين على السير حول المكان في الحياة الحقيقية، وهذا لم يتحقق بشكل مُرضٍ بعد.

وتبقى ايضاً خوذات الرأس نقطة عالقة في نظر العديد من المطورين الذين يقولون إن انطلاق أول خوذة رأس في عام 2012 دفع بالواقع الافتراضي إلى الأضواء قبل أن يكون جاهزاً، وإن التجارب على الجيل الأول أعاقها خوذات الرأس الموصولة وغياب الفسحة داخل المنازل. ويشير مسح أخير لمؤسسة «تكناليسيس ريسرش»، إلى أن استخدام خوذات الرأس من قبل الذين يمارسون الألعاب يبقى منخفضاً للغاية، حيث نسبة 18% فقط ممن أدلوا برأيهم قالوا إنهم استخدموها يومياً، فيما قال ثلثهم إنهم عانوا من مشكلة الشعور بالغثيان أحياناً.

وفيما يؤكد المحللون أن القوة التحويلية للتكنولوجيا ليست محط تساؤل، يقولون إن السوق لم ينمو كما توقع كثيرون. ولهذا السبب، يتوقع آدم روزتنبرغ في «كمبيوتر وورلد» تراجعاً في تبني تكنولوجيا الواقع الافتراضي في مجال ألعاب الفيديو على الأقل في المدى المنظور، مع بقاء عدد المطورين الذين يعملون في مجال ألعاب «الواقع المعزز» ثابتاً، بعد أن برهنت هذه الأخيرة على أنها أرخص ومناسبة أكثر للهواتف المحمولة.

مواقف مغايرة

وأخيراً، أصبحت تكنولوجيا «الواقع الافتراضي» أيضاً محط جدل فيما يتعلق بدورها الاجتماعي. يقول تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، التي بقيت بعيدة عن تكنولوجيا الواقع الافتراضي، إن تلك التكنولوجيا تسبب عزلة اجتماعية أكثر حتى من الهواتف النقالة، وأنه يفضل الواقع المعزز، تلك التقنية التي تدخل معلومات رقمية على مشاهد في العالم الحقيقي ويمكن رؤيتها عبر الكاميرات أو خوذات الرأس، ولها استخدامات كثيرة ممكنة، بتأثيرات كبيرة في الصناعة والتعليم والتدريب والرعاية الصحية والسفر كما الرياضة والتسلية، على عكس الواقع الافتراضي الذي هو في الأساس تكنولوجيا للألعاب.

وجهة النظر تلك أيدتها أيضاً مجلة «ايكونوميست» التي تفيد بأن معظم الزخم الآن يذهب وراء الواقع المعزز لأن ألعابه جمعت الناس ودفعت بإحساس من المجتمع القوي، كما فعلت تكنولوجيات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر وانستغرام، أو النصوص على الكمبيوتر والمواعيد والألعاب، مشيرة إلى التشابه الجاري بين تراجع الواقع الافتراضي والاهتمام بالمشاهد ثلاثية الأبعاد.

لكن مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ لديه وجهة نظر مغايرة، فهو يعتبر تكنولوجيا الواقع الافتراضي تكنولوجيا اجتماعية، بعيدة عن طبيعة الألعاب التي تطغى عليها حالياً، وقد كتب قائلاً: «سنجعل خوذة الرأس منصة لتجارب أخرى كثيرة بعد الألعاب»، مضيفاً: «تصوروا مشاركتكم لحظات مع أصدقائكم على الانترنت، ليس هذا فحسب، بل تجارب ومغامرات كاملة».

تطبيقات أخرى

الاعتقاد السائد هو أن تكنولوجيا الواقع الافتراضي لا تزال في بداياتها، وسوف تحافظ على وجودها، بعد أن برهنت على فائدتها في تطبيقات أخرى خارج مجال التسلية مثل التدريب، أو الأشياء المستندة إلى التعليم، كما الرعاية الصحية، أما الأهم، فتبقى توقعات المستهلكين اليت تظل أكثر تفضيلاً للواقع الافتراضي ،مع كل ما يقال عن الواقع المعزز بأنه سيقود استمثارات المستقبل، ففي مسح أخير أجرته مؤسسة «تيك ناليسيس ريسرش» أفاد مستهلكون لمنتجات الواقع الافتراضي أنهم يجدون التجربة الانغماسية بالكامل التي يقدمها الواقع الافتراضي أكثر جاذبية، وأنهم يفضلون الواقع الافتراضي على الواقع المعزز بنسبة 3 إلى 1.

يرتدي مستخدمو الواقع الافتراضي النظارات الواقية أو خوذات الرأس ليصبحوا منغمسين في عالم ثلاثي الأبعاد، فيما تكنولوجيا الواقع المعزز تضع أشياء افتراضية ثلاثية الأبعاد في واقع مادي حقيقي وتسمح لمجموعة من الناس التفاعل معها باستخدام إيماءات اليد أو إعطاء الأوامر. العديد من أجهزة أو أنظمة الواقع المعزز مجهزة بمجموعة من الكاميرات أو المجسات لفهم البيئة المادية والناس فيها.

نماذج وعناصر تلعب أدواراً جوهرية في مجال التعليم

انغماس

يقول الخبراء إن المرء بحاجة للانغماس في البيئة نفسها ليصبح ملماً باللغة. ويمكن تحقيق ذلك مع الواقع الافتراضي في مجال تعليم مواد عدة. على سبيل المثال، يمكن أخذ الطلبة افتراضياً بجولة عبر المعارك والأحداث الماضية واختبار العواطف والأجواء المحيطة بها بدلاً من صفوف تعليم التاريخ الحالية.

تجارب

يكتسب الإنسان المهارات عبر التكرار إلى أن تصبح طبيعة ثانية له، وهذا أساس التعلم. وتمنحنا تكنولوجيا الواقع الافتراضي والمعزز الأدوات لممارسة المهام في بيئة آمنة بتكلفة ضئيلة ودون مخاطر حيث بإمكان الطلاب أن يصقلوا مهاراتهم، مثل إعادة ابتكار الأوضاع الخطيرة للإطفائيين.

تطبيق

وضع التعليم النظري في واقع الممارسة والتطبيق هو ما يحدث الفرق في التعليم. فعلى سبيل المثال، يمكن أخذ أدوات مخصصة بوظيفة معينة ووضعها واقع افتراضي، لا سيما إذا كان استخدامها المتكرر مكلفاً، مثل أدوات ممارسة الطب.

طابع اللعب

إضفاء طابع الألعاب على التعلم التدريب، ليس فقط لفهم أفضل للسيناريو الذي تجري الألعاب داخله، لكن أيضاً لفهم كيف يمكن التحكم به داخل الواقع الافتراضي. وما إن يصل الشخص إلى مستوى معين يمكن إضافة صعوبات على المهمة، ومعاقبته عن الفشل ومكافأته عند النجاح.

حوافز

الصفوف والكتب ليست مثيرة كما يفترض دائماً، لا سيما عندما لا يكون هناك اهتمام للطالب في الموضوع. ويجعل الواقع الافتراضي التعليم مثيراً ويمنح الطلاب الحوافز للتعلم.