الذاكرة، الهوية، التاريخ، الأدب، النسيان، موضوعات تطرحها للنقاش رواية «باريس رجع الصدى»، الصادرة عن دار «هتشنسون» البريطانية 2018، للروائي البريطاني سيبستيان فولكس.

الرواية كما يلاحظ القارئ، تأمل عميق في التاريخ والحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر، والذاكرة المأزومة بفعل الأحداث متفاوتة الإيقاع في شدتها.

وانعدام القدرة لدى أي منا على الفصل بين هذه الإيقاعات المختلطة. إن باريس كما يصفها هذا العمل الروائي مدينة يختلط فيها الماضي بالحاضر، ليصبح جزءاً من نسيجها، وفي هذا العمل يجيد مؤلف رواية «تغريدة عصفور» تفكيك ذاكرتها.

وعي

بداية، فإن أحد الأسئلة التي وجهها مراسل صحيفة «ذي غارديان» البريطانية إلى فولكس في حوار حول الرواية كان يتعلق بالوعي، الوعي بالتاريخ وبالذات والهوية.

وما يعنيه هذا الوعي، ليجيبه بأنه متى ما أدرك الإنسان حقيقة أشياء تتعلق بتاريخ الناس والمدن ونفسه، سيكون قادراً على اكتساب المزيد من الأمور التي تساعده على أن تستمر حياته. غير أن إشكالية أبطال رواية فولكس كما يبدو في أنهم يحتاجون إلى هذا الوعي المضاعف الذي يسبب فقدهم له، ما يمكن أن نسميه وجع الذاكرة.

تفصيلاً، يتناول موضوع الرواية حياة شخصيتين وافدتين إلى باريس، هما «طارق» الشاب المغربي البالغ عمره 18 عاماً، القادم من «طنجة» والمنتمي إلى أسرة متوسطة.

والذي يذهب إلى العاصمة الفرنسية بحثاً عن جذور فرنسية له (عائلة أمه المتوفاة ذات الأصول العربية الفرنسية المختلطة)، و«هانا» الباحثة في التاريخ، الغربية المثقفة، والمهتمة بدراسة أوضاع المرأة الفرنسية، وما يهمها في هذه الرواية هو أوضاع المرأة الفرنسية في أوقات الحروب والأزمات كما تجسدها الباريسيات أثناء الحرب العالمية الثانية، واحتلال ألمانيا لفرنسا.

وأثناء حرب الجزائر. وبين الاثنين يلتقي القارئ شخصيات أخرى ذات علاقة بالبحث عن الهوية، غير أن هؤلاء يذعنون في نهاية المطاف والبحث والتفكير في علاقتهم بفرنسا، لفكرة النسيان والتسامح ومصالحة الذات والآخرين. لكن فولكس يسعى من جانبه إلى التركيز على استخلاص وجهتي نظر الشخصيتين الرئيستين في أحداث في الرواية.

أحداث

تقع أحداث الرواية في أماكن عادية ومتفرقة من المدينة، في الشوارع، في ميترو باريس، في المتنزهات، المقاهي والمتاحف، وغيرها من الأماكن التي يكتشف القارئ أهميتها بالنسبة لبحث هانا وطارق، ويساعده على استيعاب ذلك التعليقاتُ التي تقوم بها الشخصية التي تلعب دور الراوي وهي «هانا»، حيث الاعتماد على موضوعيتها في تقييم الأمور.

وهنا يمكن للقارئ أن يتبين المزيد من الحقائق، خاصة ما يتعلق بعلاقتنا بالماضي وتجاوزاته والتاريخ والذاكرة. ولعل لقاء هانا وطارق (الذي يقوم بدور المساعد لها كباحثة، بسبب إتقانه اللغة الفرنسية التي لا تجيدها)، يتحول إلى أحد أهم المنعطفات في حياته.

وربما يكون أهم ما يكتسبه هو اكتشاف أن التاريخ ليس مادة جامدة بل له علاقة بحياته، وأنه من الأشياء التي يظل يعيشها في كل لحظة، وإن كان الأمر يتطلب تفكيك الذاكرة المتعلقة به وإعادة النظر.

وفي النهاية، فإن طارق الذي يفد إلى باريس سعياً إلى تعزيز هويته الفرنسية، يقتنع بهويته العربية المغربية عندما يذهب بحثه سدى، وبدلاً من تعليق حلمه على شماعة الانتماء للغير، يصبح وعيه الحقيقي هو أن لديه حلماً يتلخص في ضرورة أن يكون للإنسان إنجاز حقيقي غير مزيف في هذه الحياة.

أسئلة

تناقش الرواية أسئلة منها؛ هل يتعلم الناس من تجاربهم؟ وما الذي ينبغي للشباب أن يتعلموه؟ سؤال ربما طرحه المؤلف.

لا سيما وأن ما يمثله طارق في الحقيقة هو أننا كأفراد قد تشوب ذاكرتنا وتفكيرنا في الماضي الكراهية على نحو شديد التطرف أحياناً، وهو كشاب في هذه المرحلة من العمر تشوب ذاكرته أحداث من الماضي البعيد مرتبطة بالاستعمار الفرنسي لبلاده، وأمور سمع عنها الكثير كالعنف والموت وغيرها من الأشياء التي تسبب ألماً للذاكرة.

وعلى الجانب الآخر، وبالنسبة إلى هانا، فإن التاريخ والماضي من الموضوعات التي تنظر إليهما بحيادية تامة، فتسعى إلى إضفاء روح التسامح والمصالحة مع الذات والآخر في كل ما يتعلق بحياتها الشخصية، فحتى في أصعب الظروف، كما سيعرف القارئ لاحقاً، عندما يكتشف أنها مدمرة عاطفياً، وأنها قد مرت بظروف نفسية صعبة من جراء تخلي حبيبها عنها، كانت تحرص على البقاء في حالة من التوازن العاطفي والنفسي.

رسالة

إبداعياً، تتميز رواية فولكس بالثراء اللغوي، ورسمها للشخصيات والأفكار التي تناقشها، إلا أن هذه الأفكار والموضوعات المتشعبة هي ما يرى البعض أنه يسيء لأعماله بعض الشيء.

لكن في النهاية فإن الرسالة التي يريدها المؤلف أن تصل إلينا تصل بالفعل، وهي أن التسامح والتصالح مع الذات والآخر سبيل المجتمعات الإنسانية إلى السعادة، كما أنها الخطوط العريضة للحياة. أما القارئ فيأمل أن تتوافر له من خلال هذه الوصفة السحرية حياة الاستقرار، وهو يعيش في مرحلة ما بعد الصراعات والحروب والخلافات التي شهدها العالم وما زال بعضنا يشهدها اليوم.

والواقع أن رواية «باريس رجع الصدى» من الأعمال الجادة.

وكما يراها النقاد فإن الرواية تحتوي على العديد من الموضوعات التي تدور في إطار حياتنا الراهنة، وكلها موضوعات يتناولها المؤلف على نحو يتزامن مع عدد من الأحداث الجارية، ومنها المصالحة التاريخية بين فرنسا والجزائر أخيراً، وبين ألمانيا وفرنسا سابقاً، وتأثيرها في وعي أبطال الرواية وما يتخذونه من إجراءات انتقامية ومضادة أو مواقف موضوعية، وهم شخوص عاديون لا يبحثون في الحقيقة إلا عن الاستقرار في حياتهم.