حوّل حلم الباكستانيين إلى حقيقة

محمد علي جناح.. رمز الإنسانية في ضريح

عندما ألّف عباس محمود العقاد كتابه الشهير «القائد الأعظم محمد علي جناح»، قال في مقدمته: «إننا نقدم صورة من صور العظمة الإنسانية، ودرساً لا نظير له في فلسفة التاريخ، أو في ما نسميه العوامل التي نتطلع إليها من وراء حركات التاريخ».

وهنا في قلب كراتشي مدينة المال والتجارة في باكستان، يرقد مؤسس وقائد باكستان محمد علي جناح الذي تمكّن من تحويل حلم الباكستانيين إلى حقيقة بإعلان استقلال باكستان في 14 أغسطس 1947، ليصير بعدها أول زعيم ورئيس لأول حكومة في باكستان المستقلة.

مكانة

ولد المؤسس محمد علي جناح في 25 ديسمبر 1876 في كراتشي وتوفي في 11 سبتمبر 1948 عن عمر يناهز 72 عاماً، وعبر هذه الرحلة الطويلة استطاع هذا القائد بأعماله الجليلة وإنجازاته أن يحفر له مكانة خصوصاً لدى الشعب الباكستاني والأجيال المتلاحقة، وكذلك لدى شعوب العالم الإسلامي بأسره.

وما يظهر تلك المكانة العظيمة التي يأسر بها جناح قلوب الناس، أنه يكاد لا يخلو منزل أو فندق أو مكان عام أو خاص في عموم باكستان من صوره وتماثيله التي تزين المباني والميادين والشوارع، فصور جناح على جميع الأوراق النقدية الباكستانية.

ويحمل العديد من المؤسسات العامة الباكستانية اسمه كمطار كراتشي الذي يسمى الآن مطار جناح الدولي، إضافة إلى إطلاق اسمه على عدد من الميادين والشوارع الرئيسة في معظم دول العالم بما فيها الهند.

ويعرف محمد علي جناح في الباكستان ﺑ«القائد الأعظم»، حيث قام بتأسيس جمهورية باكستان ككيان منفصل عن الهند يضم المسلمين، وذلك عقب استقلال شبه القارة الهندية عن بريطانيا.

وكما قال العقاد: «عندما نتحدث عن جناح فنحن أمام سياسي ألمعي اجتمعت فيه شروط الزعامة من ثقة كبيرة بالنفس تجاورها ثقة أكبر من الناس الذين تركوا بين يديه حاضرهم ومستقبلهم أملاً في غدٍ أفضل».

مزار

يعد ضريح ومتحف محمد علي جناح أو «مزار قائد»، كما يطلق عليه في باكستان باللغة الأوردية أو الضريح الوطني أو ضريح قائد، من أهم الوجهات السياحية الشعبية في كراتشي التي تعد مسقط رأسه، حيث تم البدء في تشييده بداية الستينات، وتم افتتاحه أمام الزوار في 2 يونيو عام 1972.

وصمم مبنى الضريح المهندس المعماري الشهير يحيى ميرشانت واستخدم فيه الرخام الأبيض الذي جلب من إيطاليا على منصة مرتفعة مساحتها 54 متراً مربعاً في منتصف حديقة واسعة تصل مساحتها إلى أكثر من 3 آلاف متر مربع.

وفي منتصف مبنى الضريح ذي الأربعة مداخل، والجدران المنحنية، يرقد الزعيم محمد علي جناح في قبر رخامي مهيب، محاطاً بأسوار فضية ونحاسية تعلوه قبة فخمة تتدلى منها ثريا بأربع طبقات من الكريستال الأبيض والأحمر، قدمت هدية من جمهورية الصين.

ويضم الصرح في الأسفل قبر شقيقته فاطمة جناح «أم باكستان» الأخت المقربة من الزعيم محمد علي جناح، وكذلك قبور كل من لياقات علي خان، أول رئيس وزراء لباكستان، وسردار عبد رب نشتار، ونور أمين.

صرح

وفي الحديقة خمس عشرة نافورة متعاقبة تؤدي إلى منصة الصرح من جميع الجوانب، فيما تؤدي المدرجات إلى بوابات مزوّدة بأضواء تسلط ليلاً على مبنى الضريح فتزيده هيبة وعظمة.

أما متحف الضريح الذي يقع في الأسفل والذي افتتح في 23 مارس 1988 فيضم العديد من متعلقات الزعيم محمد علي جناح بداية من مكتبه وسيارتيه الخاصتين وغرفة نومه والنياشين التي حصل عليها ومكاتباته لزعماء العالم والوثائق المهمة التي واكبت إعلان استقلال باكستان عام 1947.

والأسلحة التي كان يستخدمها في الصيد وصور فوتوغرافية تصور مراحل حياته المختلفة منذ الطفولة، إضافة إلى صوره مع عدد من زعماء العالم في تلك الفترة وكذلك العملات الورقية والمعدنية التي صدرت بعد استقلال باكستان وتحمل صورته، والمصاحف والكتب التي وجدت في مكتبه بعد الوفاة.

كما يحتوي المتحف على مجموعة من الأدوات الشخصية للزعيم القائد من أحذية وملابس رسمية شهدت مواقف تاريخية معينة، إضافة إلى المتعلقات الخاصة مثل «البايب» الذي كان يستخدمه في التدخين.

وعلى مقربة من ضريح القائد يقع منزل فاطمة علي جناح «أم الأمة»، كما يطلق عليها الشعب الباكستاني، الذي قضى فيه جناح فترة من حياته ويعد واحداً من 600 مبنى في باكستان محمي رسمياً من قبل مؤسسة التراث، انتقلت إليه فاطمة جناح وأقامت فيه وهو مبني على الطراز الإنجليزي تم شراؤه من رجل أعمال فرنسي.

صورة من قريب

عاش محمد في كراتشي بين الفترة من ديسمبر 1876 إلى سبتمبر 1949 ثم انتقل إلى لندن وعمل في بداية حياته هناك في مهنة المحاماة، وفي عمر 37 سنة تزعم جناح عصبة مسلمي عموم الهند في عام 1913، وظل حتى إعلان استقلال الهند، ليصير بعدها أول حاكم عام لباكستان ويعتبر القائد الأعظم و«أبو الأمة».

ذاع صيت محمد علي جناح في حزب المؤتمر الوطني الهندي في العقدين الأولين من القرن العشرين، ليحتل مكانة بارزة في هذه السنوات المبكرة من حياته السياسية. اقترح خطة للإصلاح الدستوري من أربع عشرة نقطة للحفاظ على الحقوق السياسية للمسلمين عندما تستقل الهند الموحدة عن الحكم البريطاني.

بحلول عام 1940، ترسخ عند جناح الاعتقاد أنه ينبغي أن يكون للمسلمين دولة خاصة بهم. في تلك السنة، وبقيادة جناح، مررت العصبة قرار لاهور للمطالبة بدولة منفصلة وخلال الحرب العالمية الثانية، اكتسبت العصبة قوة أكبر. حيث شهدت الانتخابات التي أجريت بعد الحرب بوقت قصير، فوز العصبة بمعظم المقاعد المخصصة للمسلمين. واستمر الجدال بين المؤتمر والعصبة، ما دفع بميلاد دولة للأغلبية المسلمة، سميت باكستان.

وكأول حاكم عام لباكستان، عمل جناح على تأسيس حكومة وسياسات للدولة الجديدة، وبمساعدة الملايين من المسلمين الذين هاجروا من الهند إلى باكستان بعد التقسيم، وتوفي جناح في سبتمبر 1948 عن عمر ناهز 72 سنة، أي بعد عام واحد من تاريخ استقلال باكستان عن الحكم البريطاني، رحل تاركاً إرثاً عظيماً وقدوة باقية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات