تدور مسرحية «مفقود» حول التصالح مع اضطرابات الماضي والعثور على سبيل للمضيّ قدماً، في قصة تنطبق بشكل موات على العرض المسرحي والمسرح ذاته.

ففي مارس 2015، كانت شركة الإنتاج المسرحي «غيكو» في منتصف مرحلة العرض على مسرح مركز باترسي للفنون، وفي اليوم الـ13 من الشهر التهمت النيران القاعة الكبرى وقضت على السقف وغالبية القاعة القديمة المذهلة، فاضطرت «غيكو» لوقف العرض وضاع ديكور المسرح في الحريق.

اليوم، وبعد ثلاث سنوات نفض المكان عنه غبار النار وأعاد فتح أبوابه عقب عمليات تجديد مكثفة. وكان القرار بعدم إخفاء آثار أضرار الحريق، لاسيما طبقات التغيير التاريخي التي كشفت عنها ألسنة النيران.

وانطلق موسم الفينيق من حيث توقفت «غيكو» فكانت مسرحية «مفقود» من إخراج أميت لاهاف التي تروي قصة بسيطة حول ليلى المرأة التي عانت مع ذكريات الطفولة ومضاعفاتها على حياتها وزواجها في حبكة من التشويق تحتكرها طريقة رواية الأحداث.

وتتخصص «غيكو» في استعمال اللوحات الراقصة المذهلة المرافقة للديكور والصوت للتعبير عن الحالات النفسية المضطربة. ويوازي الزوابع الفكرية لليلى في «مفقود» محيطها ككل، فتتركز صور زملاء العمل والأصدقاء والزوج وتتلاشى وكأنها تنتقل على شريط متحرك عبر تواصل من مزيج من اللغات نصف المسموعة. يمكن للأصوات أن تكون مفاجئة ومشوشة وللأضواء أن تتقد في لحظات الصدام.

يكتسب مشهد كفاح ليلى وزوجها للجلوس في وضعية مريحة على الأريكة احتداماً حسياً متصاعداً، ويحمل رمزيةً كبيرة في التعبير عن مدى التنافر في العلاقة. وتظل الذكريات المتناثرة تحوم في المكان تحتويها أطر مشعة، الإضاءة تعكس والدي ليلى وصورتها وهي طفلة تراقب صراعات أبويها المريرة، وتشعر بضرورة التمسك بخيط أمل ما وتلمّس الطريق للمضي قدماً.

تتسم «مفقود» باختصار بروعة الأداء، وقد حرصت «غيكو» على أن تبرز كيفية مطاردة الذكريات للحاضر وقدرتها على التعبير عن الأمر ببلاغة ولباقة حسيين، وبأحاسيس متناغمة بالكامل مع المبنى الذي يحتفي بفتح أولى صفحات فصل جديد آخر.