السنباطي.. مبدع خلّص الأغنية العربية من الابتذال

السنباطي

يؤرخ صميم الشريف في كتابه «السنباطي»، الصادر في دمشق، لحياة قامة فنية فردية في عالمنا العربي: رياض السنباطي.

إذ اعتبره المؤلف من جيل العمالقة، الذي أرسى دعائم عالم الغناء العربي، فهو آخر المبدعين الكلاسيكيين، وأنجز أكثر من ألف عمل غنائي موسيقي، وتخلّصت الأغنية العربية على يديه من ابتذالها، كما شغل الناس بألحانه طوال نصف قرن ونيف من الزمن.

سيرة

وُلِدَ رياض السنباطي في فارسكور، التابعة للمنصورة في مصر، عام 1911، كما يذكر هو، وقد فرح الشيخ محمّد، والده، كثيراً بقدومه، كونه ولد له بعد ثماني بنات، فأقام مولداً، وتلا بصوته قصة المولد النبوي الشريف.

وأنشد العديد من المدائح النبوية، والشيخ محمّد كان عازفاً، يتكسب من الألحان والأغاني الصوفية، ويحفظ ثروة كبيرة من الموشحات والأدوار، وفي سن الثامنة، رحل مع والده إلى المنصورة، وهناك حفظ القرآن الكريم، وأتقن أصول التجويد، والتهم كلّ معلومات أبيه الموسيقية.

اكتملت ثقافة رياض الموسيقية التقليدية، بفضل أبيه، وبفضل محمّد شعبان، الذي كان يعلمه أسرار العود والغناء، حتى غدا عازفاً بارعاً متميزاً، له خصائصه وشخصيته، ومطرباً ينتظر المستقبل.

وهكذا قرّر السفر إلى القاهرة، وقد أعلن معهد الموسيقى العربية في القاهرة عن مسابقة للغناء، تتيح للفائز فيها أن يدرس الموسيقى وأصول الغناء على نفقة المعهد، وتقدّم رياض إليها، وفاز بها، وكان عمره 23 سنة، وعلى إثر ذلك، قرّر مجلس الإدارة قبول رياض السنباطي طالباً في المعهد بقسم الغناء، ومدرساً لآلة العود.

بدايات

وأوّل ألحان السنباطي التي ظهرت قبل انتسابه إلى معهد الموسيقى، لا تزيد بعددها على أصابع اليد الواحدة، لكنه لفت الانتباه كثيراً، وهو الوافد الجديد على دنيا الطرب، فقد غنّى له عبد الغني السيد، وغنت له نجاة علي لحنين من ألحانه.

وفي عام 1929، اتصلت به مغنية شامية، وطلبت إليه أن يشارك في تلحين بعض أغاني فيلم «أنشودة الفؤاد»، ويُعد هذا الفيلم أوّل فيلم عربي غنائي ظهر في السينما المصرية، كذلك طلب منه المسرحي جورج أبيض، تلحين أوبريت «آدم وحواء»، فأنجزه في وقت قصير.

مع أم كلثوم

كان أوّل عمل له مع أم كلثوم، أغنية «النوم يداعب عيون حبيبي»، ويومها أحضرت له الكلمات، لتسأله رأيه فيها، وكانت لأحمد رامي، وقد راقته الكلمات ولحنها، وهذا باكورة ألحانه لسيدة الغناء العربي، ولحّن لها أغنية «على بلد المحبوب وديني». تجاوب السنباطي مع الأحداث الكبرى.

فانعكس ذلك على مجمل ألحانه، من وطنية وقومية وعاطفية، لتعبق كلّها بأريج خاص، ميّز هذه المرحلة، وبعد «أقبل الليل»، ظهرت قصائد عديدة، أكد من ورائها هدفه الشاعري، وإذا تجاوزنا كلّ هذه القصائد إلى قصيدة «يا حبيبي»، التي سجلها بصوته في عام 1980، فإننا نجد السنباطي قد شمخ شموخاً، جعل محمد عبد الوهاب يقول: «هو في العمل ده بيورينا عضلاته».

ثروةقدرت ثروة السنباطي بأكثر من ألف لحن وأغنية، وقد لحّن لأم كلثوم أكثر من مئتي لحن، وقد لحّن لاثنين وأربعين مطرباً ومطربة، وبلغ عدد الأغاني التي غناها بمصاحبة الفرقة الموسيقية، اثنتين وعشرين أغنية وقصيدة، وألّف عدداً كبيراً من المقطوعات الموسيقية، وتمّ حصر ما يزيد على أربعين مقطوعة، منها ما ألّفه في القوالب التراثية.

ومنها ما وضعه كمقدمات للأفلام والأغاني السينمائية، ومنها ما أوحاه له خياله الموسيقي. وفي يوم الخميس العاشر من سبتمبر 1981، ملأ خبر وفاته عاصمة الفن بالحزن والكآبة، وتقاطرت جموع غفيرة من محبي فنه إلى جامع «عمر مكرم»، للمشاركة في الصلاة على جثمانه وتشييعه.

تعليقات

تعليقات