«تُعد جمعية الإمارات للفنون التشكيليّة من العلامات البارزة في المشهد التشكيلي الإماراتي. استطاعت عبر سنوات العمل الدؤوب، والممارسة الدائمة في حقول الإبداع أن تؤسس لحركة تشكيليّة نوعيّة، احتضنت جميع المدارس الفنيّة، والتيارات الإبداعيّة، بمختلف اتجاهاتها التقليديّة والحديثة»، بهذه الرؤية، أطلت الجمعية في معرضها السنوي العام الذي أُقيم في 2005 بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها.
ومع مطلع العام الجاري، أقامت الجمعية معرضها الـ 35 الذي احتفى بروادها، بمشاركة عدد كبير من الفنانين المحترفين، إضافةً إلى 40 من طلبة كليات الفنون الجميلة في الدولة؛ بهدف تمتين العلاقة بينهم وبين أجيال الفنانين ونتاجاتهم الفنيّة المتعددة المشارب والمدارس.

أحد أعمال الفنان حسين شريف
حركة
إن متابعة المحترف الإماراتي المعاصر، وما يخرجه من أعمال، تبين لنا مدى القفزة التي حققتها الحركة التشكيلية الإماراتية المعاصرة بين عامي 1980 و2018، لنجد أنها أصبحت ناضجة، ونشطة، وفاعلة، ومؤثرة، وموجودة بقوة، ليس على الساحة المحليّة فحسب، بل العربيّة والعالميّة أيضاً، حيث تمكن بعض روادها الأوائل من الوصول بإبداعاتهم إلى محافل عالميّة، مثل الفنان عبد القادر الريس، الذي سعى متحف بريطاني في لندن لاقتناء بعض لوحاته، وقامت دار كريستيز للمزادات الفنيّة العالميّة، بعرض عمله «لوحة البشرى»، فحقق سعراً لافتاً هو 1.4 مليون درهم، كما قام متحف ألماني بعرض عمل للفنان محمد يوسف علي.
تأسيس
انطلقت فكرة تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيليّة في عام 1980 وفق ما يقول الفنان الدكتور محمد يوسف، من مكتبة مسرح الشارقة الوطني، وبمباركة بعض الصحفيين الذين أكملوا العدد المطلوب لاكتمال النصاب القانوني الخاص بالإشهار، وكان جزء من معاناة وهموم تلك الفترة، الخلط بين «الفنون التشكيليّة» و«الفنون الشعبيّة» لدى الناس في الإمارات، فقد تعودوا على كلمة (دهان، رنق، عكس، عكوس، منظر، صورة، رسام). لقد كان النقّاش والخطاط والدهان هو سيد الموقف، وما عدا ذلك رسم وأشغال مدرسية.
وأقامت الجمعية معرضها الأول في عام تأسيسها، وكان ذلك في نوفمبر، بصالة المعارض في المركز الثقافي الفرنسي بأبوظبي، شارك فيه 21 فناناً، منهم: محمد يوسف علي، وعبيد سرور، وحسن شريف، وأحمد الأنصاري، وعبد القادر الريس، وأحمد السويدي، وعبد الكريم سكر، وحسين شريف. ووضعت الجمعيّة لها جملة من الأهداف الرئيسة، منها: تنمية الفن التشكيلي في الإمارات، ورعاية المواهب الشابة، وتمثيل فناني الدولة في المحافل الرسميّة المحليّة والعالميّة، وغيرها.
ولتحقيق هذه الأهداف، أقامت الجمعيّة عديد الأنشطة الفنيّة من معارض وورشات عمل، وندوات ومحاضرات وحوارات تدريبيّة على فنون الرسم والنحت والخزف والغرافيك والتصوير الضوئي والخط العربي، كما شجعت على تلاقي الفنانين، وساعدتهم في إقامة المعارض. وترأس مجلس إدارة الجمعيّة عدد من الفنانين، منهم: محمد يوسف، وعبد الرحيم سالم، وأحمد شريف، وناصر عبدالله، أما رئيسها لدورة 2018-2020 فهو الفنان والناقد الفني علي العبدان.

لوحة للفنان محمد القصاب
نشاطات
ويُعد المعرض السنوي العام من أهم أنشطة الجمعيّة، لكونه يختزل كل ما تموج به الحركة الفنيّة التشكيليّة الإماراتيّة المعاصرة من اتجاهات وأساليب، ويعكس بأمانة واقعها وسويتها وطموحاتها، وقد أطلقت الجمعيّة مؤخراً مبادرة مهمة، هي أرشفة الفنون التشكيليّة في الإمارات، وهي منصة إلكترونيّة، ستفضي إلى توثيق الفن التشكيلي الإماراتي المعاصر بشكل علمي صحيح، ما يجعله مُتاحاً للباحثين والفنانين وطلبة الفنون الجميلة والمهتمين.
اقترح هذه المبادرة الفنان ناصر عبدالله، رئيس الجمعيّة السابق، وقام بإعداد وتحرير الأرشيف الفنان والناقد الفني علي العبدان، رئيس الجمعية الحالي. وهذا المشروع هو ثمرة تعاون بين الجمعيّة ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، حيث يضم الأرشيف أكثر من 10 آلاف عمل فني، إضافة إلى قوائم بالمعارض الجماعيّة والفرديّة المحليّة والخارجيّة، والمسابقات والجوائز، ولدى الجمعيّة خطة لإطلاق منصة إلكترونيّة جديدة، تستفيد من فكرة التواصل الاجتماعي، وتهدف للتعريف والترويج للفنانين، وتُعرّف بأنشطتهم وآخر أعمالهم الفنيّة.
نشرة
التطور طال الجمعية بكل جوانبها، حيث شهدت معارضها مشاركة واسعة، كما أصاب أيضاً منشوراتها، لاسيما مجلة «التشكيل»، التي وفـــق ما يشير إليه د. محمد يوسف، قد بدأت نشرة تعتمد أوراقاً صغيرة، يشارك في تحريرها مجموعة من الفنانين الأعضاء ومن بينهم الفنان محمد القصاب، حسن شريف وحسين شريف، وكانت مقتصرة على نشر الأخبار، والتعريف بالمصطلحات والمدارس والأساليب الفنيّة، وتحليل بعض اللوحات، وكانت تُطــبع بوساطة الحاسوب، ويتم نسخها في الجمعية، ثم تطورت إلى شكل جديد قام بإخراجه حسين شريف، وتمت طــــباعتها خارج الجـــمعية باللــونين الأبيض والأسود، وسرعان ما جاءت فكرة تطويرها إلى شكلها الحالي، بعد أن تم وضع كادر فني لتنفيذها، وهيئة تحرير للإشراف عليها.

.. وأخرى للفنان محمد يوسف
هموم واحدة
الفـنانة ابتســام عبدالعـــزيز أثارت جملة من الهموم والإشكالات التي يعاني منها التشكيل الإماراتي المعاصر، تتمثل بمسألة تغير الذائقة البصريّة لدى المتلقي، والمرتبطة بجوانب تربويّة واجتماعيّة، واعتبار العــمل الفني شيئاً تكميلياً، أو تزييــنياً، رغم أهميته في الحياة الثقافيّة.
ولخلخلة هذه الإشكاليّة، ومن ثم حلها، تقترح الفنانة ابتسام عبــدالعزيز العمل على تنــــشئة أجيال متذوقة واعية بأهمية العمل الفني، والبدء مـــن مناهج الـدراسة، والإكثار من نشر الأعمال الفنيّة في الأماكن التي يرتادها الناس، والقيام بحــملات توعيّة دائمة، بأهمية الفن، عبر وسائل الإعلام المختلفة، بهدف تطـــوير الذائقة البصريّة لدى أفراد المجتمع، وترسيخ ثقافة الجمال لديهم، كونها إحدى أهم الوسائل التي تقدم لهم أسباباً دائمة للحياة وحبها.
