ترشح رواية «هناك هناك» للروائي الأميركي تومي أورانج تأملاتٍ طموحة حول الهوية وبدائلها المهشمة، وحول الأسطورة المرئية بعدسة الفقر والحياة الحضرية، وحول العادات الضاغطة خوفاً من الهشاشة، وكأنه يسعى لإعادة تصوّر أوكلاند كمرتع للرغبات والأحلام، وإعادة صناعة مدينة على نسق مجموعة شخصياته الكبيرة والمذهلة.

ونجح أورانج، في روايته الضخمة الملأى بالضجيج، العابقة بوهج الغياب والأدلة الشريدة والآثار الغريبة، في تركيز اهتمامه بوحشية على أوكلاند كموقع للثبات الصافي. وقد استقى أورانج عنوان الرواية من غيرترود شتاين التي اكتشفت إحدى شخصيات روايته أنها «تتحدث عن التغييرات الكبرى التي طرأت على أوكلاند، المكان الذي ولدت فيه، وعن حجم التطور الذي حدث هناك، وجعل من مرتع الطفولة، ذاك الهناك، مطموس المعالم وكأنه ما كان يوماً».

ويجعل أورانج من أوكلاند «هناكاً» يتجسّد في ملموس محسوس مفخّم ومتكامل على امتداد فصول رواية تتعامل بنبرات متفاوتة من الخفة والغزو، والإيماءات الملونة، مع ما يعنيه مفهوم الانتماء بالنسبة إلى السكان الأميركيين الأصليين.

وقد كتب أورانج نفسه، في توطئة منمقة عن العلاقة بين هؤلاء والمدينة، قائلاً: «كثيرون منا أتوا باختيارهم، إما سعياً وراء بداية جديدة، أو مال وفير، أو تجربة مغايرة. وبعضنا أتى للمدينة هرباً من تحفّظ، ومن سكينة التحفظ... من البلدات على جوانب الطرقات السريعة والمجتمعات الريفية، من ذاك النوع من الصمت الذي يجعل صوت العقل المشتعل أكثر وضوحاً للأذن».

وتعمل فكرة اللااستقرار والغموض، والانشطار بين عالمين، وحياة هشمتها الخسارة وذكراها، وبارتباك وتشتت يفرض نفسه على الشخصيات ويتيح لصوت العقل المشتعل أن يتحول مثقلاً بالنشاز.

ولا يبالغ العقاد في وصف «هناك هناك» حين يقول: «رواية تتحدث عن معنى حلولك في أرض ملكك ومسروقة منك في آن، عن أن تقاوم عبء الانتماء واللاانتماء في آن».