محمد القصاب..التراث بلغة فنيّة معاصرة

محمد ابراهيم القصاب فنان تشكيلي إماراتي له بصمة واضحة في الحركة التشكيليّة الإماراتيّة المعاصرة. يتأرجح أسلوبه الفني بين الواقعيّة والاختزال الشكلي الذي يصل فيه إلى التجريد الذي يرى أنه لا يحتاج إلى تفسير أكثر من كونه ألواناً وُضعت بشكل ما، بجانب بعضها البعض.

وقد تكون هذه الألوان مقبولة عند البعض، وقد لا تجد القبول عند البعض الآخر، لكن في الحركة العفويّة والمقصودة، قد تنتج بعض الأشكال كالدوائر والمربعات، وتظهر المستقيمات والنقاط وأشكال غير محددة المعالم. فأي لوحة، وأي شكل مجسم يتكون من مجموعة من نقاط وذرات، وهذا حال الكون بأكمله.

أفكار ورؤى

للفنان القصاب رؤى وأفكار وثيقة الصلة باللغة التعبيريّة التي يشتغل عليها، فهو يرى بأن النار تبتلع كل شيء، وتُغرق المكان والبيئة، بغلالة سوداء، وأن اللون الأسود يبتلع الضوء، وأن ظلمة الكون هي السائدة رغم كل هذه النجوم. كما أن تأثيرات الظلمة، وعدم الوضوح، تشوب تعاملات البشر أيضاً، وتتغلغل في نسيج العلاقة بين بعضهم البعض، وها أنت أيضاً تتكوّن جنيناً في محيط أسود ومظلم، وتُدفن في محيط أسود ومظلم. إذاً فالأسود هو الطاغي في النهاية، عليك أن تتلمس الضوء الأبيض لنفسك والآخرين.

طبيعة صامتة جديدة

يبدّل الفنان القصاب مواضيع الطبيعة الصامتة التقليديّة، بأخرى جديدة، يحملها مضامين خاصة، ويقوم بمعالجتها بصياغة فنيّة قوامها عجينة لونيّة مفعمة بالتعبير.

فهو يُحلّق في تعامله مع الألوان، مُفصحاً عن شفافية حارة مشوبة بالقليل من البرودة، تفرزها دون صخب أو ضجيج، مشتقات الأزرق الكحلي والسماوي السابحة فوق مساحات من الأصفر الممزوج بقليل من الأحمر، بغية التخفيف من وهجه وصراخه الشديد، وهو يقوم بإضافة الأبيض لنفس الغاية والهدف. وأحياناً يلجأ إلى التخلي عن الأصفر كلياً لصالح الأزرق ومشتقاته.

في أعمال أخرى، يقتحم عوالم لونيّة جديدة، يبتعد فيها عن النزعة الغنائيّة اللونيّة الانطباعيّة السمة، لصالح نزعة حداثيّة تجريديّة، يميل فيها للاختزال والتبسيط والعفويّة، باحثاً عن لغة بصريّة جديدة، يتماهى فيها مع المصورين الآخرين المشتغلين على التيارات الحديثة في الفن. ما يلفت الانتباه في تجارب الفنان القصاب، احتفاظها بحالة عالية من الانسجام والتوافق اللوني، وهو ما يؤكد تمتعه بخاصيّة الملون أو المصوّر، أكثر من خاصية الرسام.

مواضيع

يُصنف البعض محمد القصاب ضمن جيل الرعيل الأول في حركة التشكيل الإماراتي المعاصر. بدأ مسيرته الفنيّة، مدفوعاً بموهبة حقيقيّة، تلمست الدرب إلى الفن، عبر تقنية قلم الرصاص، والأحبار السائلة التي عالج فيها موضوعات حميميّة لصيقة بالبيئة والتراث الشعبي الإماراتي، كالبيوت القديمة، ومراكب الصيد، والمرأة الشعبيّة بلباسها التقليدي، والحلي التي تستخدمها وغير ذلك.

بدأ الفنان القصاب تجربته واقعياً، ثم واقعياً انطباعياً، ثم مُقيماً في البرزخ الفاصل بين المشخص والمجرد، أي بين رغبة احتواء الواقع، بتفاصيله المعبرة، ورغبة تحطيم الشكل الواقعي والتحلل منه وإعادة تشكيله من جديد.

وفي بعض الأعمال، يتخلص من هذين الهاجسين، ليُحلق في آفاق جديدة، باحثاً ومنقباً عن صيغ تعبيريّة جديدة، تتحلل كلياً من الشكل الواقعي، لصالح لغة شديدة الاختزال، مكثفة الدلالات، تبوح بما أراد التعبير عنه ولا تُصرّح به. لذلك جاءت اللوحة لديه في هذه المرحلة، مفعمة بالإرهاصات والبحث والدلالات المتباينة في مراميها وأهدافها.

بحث وتجريب

المتابع لتجربة الفنان محمد القصاب، يجدها حافلة بالانعطافات والتحولات. وكمعظم الفنانين التشكيليين، انطلق من الصيغة الواقعيّة، إلى الواقعيّة الانطباعيّة، ثم إلى ما يشبه التكعيبيّة، وصولاً إلى رحاب التجريديّة اللونيّة القائمة على تمتمات واهية، مرصوفة فوق جسد اللوحة، بانفعال وعفويّة.

تمتمات يغازل فيها الحار البارد، والكامد الفاتح، والمُشع الغامق، مرصوفة ضمن تكوين حر ومفتوح، تحدده درجات المساحات اللونيّة التي باتت القيمة الرئيسة في أعماله، بعد أن أعلن انحيازه المطلق للتجريد اللوني الحر والعفوي الذي بدأه من الشكل الواقعي، وذلك عندما أخذ موجودات البيت من الأثاث، أو وضعيّة مدروسة لفتاة (موديل) أو طفل، أو رجل أو مركب، أو بقايا مركب، أو صدفة لفظها البحر، ثم قام بنقلها إلى لوحته، عبر صياغة واقعيّة مُبسطة ومختزلة، قوامها الأساس، المساحة اللونيّة المطرزة بضربات تتوزع على أركان اللوحة كافة، بهدف تأكيد هذه المساحات، وإحداث نوع من التباين في درجاتها ومدلولاتها البصريّة.

مساحات لونية

حول محمد القصاب الهيئة المشخصة إلى مساحات لونيّة عفويّة، تحدد هذه المساحات ماهيّة مكوناتها الواقعيّة، وتلتحم في الوقت نفسه بخلفيّة وأرضيّة اللوحة، لتبدو الأولى جزءاً مسحوباً من الثانيّة، والعكس صحيح أيضاً، الأمر الذي كرّس حالة التوافق والانسجام بين مكونات اللوحة كافة.

تعليقات

تعليقات